سياسيون أكراد: لم يعد بالإمكان تأجيل الوحدة

يقول السياسيون ذوو التوجهات الكردية من جميع الأطياف السياسية إن السبب الرئيس للمأساة الكردية في المنطقة هو غياب الوحدة.

وهناك عشرات الفصائل الكردية المقسّمة بين تركيا وسوريا والعراق وإيران. ولعقود، ظلت معظم هذه الفصائل السياسية تقاتل بعضها البعض، سعياً من كل طرف لأن تكون له اليد العليا في السياسة المحلية.

وفي مواجه الهجوم الذي أطلقته تركيا على شمال شرقي سوريا في التاسع من أكتوبر، احتج الأكراد في أنحاء العالم على أنقرة من خلال تنحية جميع الخلافات السياسية بينهم جانباً.

والأكراد هم أكبر عرقية بلا دولة في العالم، وينقسمون إلى أربعة أجزاء في أراضيهم. وتشير التقديرات إلى أن هناك ما بين 20 و40 مليون كردي يعيشون في الشرق الأوسط، وفقاً لما ذكرته فرانس 24. وهناك أيضاً عدد كبير من الأكراد في الشتات، ويقيم هؤلاء بالتحديد في أوروبا ولهم نفوذ كبير.

واستنكرت الأحزاب الكردية الهجوم التركي على أكراد سوريا، ووصفوه بأنه غزو.

وبينما واجه التحرك العسكري التركي انتقادات دولية حادة ضد أنقرة، فإنه خلق حالة من التعاطف مع الأكراد ودعماً من الرأي العام العالمي. وأدان الكونغرس الأميركي، والاتحاد الأوروبي وقوى إقليمية أخرى تركيا بشدة بسبب الهجوم على سوريا، ونشرت وسائل الإعلام في أنحاء العالم مقالات تفضح الأعمال الوحشية التي ارتكبتها الجماعات الجهادية المدعومة من تركيا بحق الأكراد. واحتشد عشرات الآلاف من الناس في المدن الغربية للاحتجاج ضد أنقرة.

ومثّلت زيادة الوعي العالمي بشأن المأساة الكردية في المنطقة دليلاً على أهمية الوحدة بين الأكراد، وفقاً لسياسيين أكراد.

وحقق الأكراد مكاسب سياسية دفعوا ثمنها غالياً، لكن جرت التضحية بتلك المكاسب من أجل مصالح بين الدول. لهذا السبب ينظر السياسيون الأكراد إلى الوحدة الوطنية على أنها أمر ضروري لا يمكن تأجيله، بعد ما حدث في كركوك وكوباني وعفرين، وشمال شرقي سوريا – المعروف أيضاً باسم روج آفا – في الأونة الأخيرة.

وتسعى الأحزاب والحركات الكردية بشق الأنفس للتحرك بشكل مشترك من أجل تأسيس تحالف وطني كردي للتغلب على التحديات التي فرضها عدم وجود دولة، وحالة التهميش والقمع وسياسات فرض الاندماج التي يعاني منها الأكراد منذ زمن بعيد.

وعُقد المؤتمر الوطني الكردستاني، وهو المشروع الأكثر شمولاً في هذا الإطار، في أربيل عام 2013، بمشاركة ممثلين عن المناطق ذات الأغلبية الكردية في الشرق الأوسط وأكراد الشتات المقيمين في أوروبا بدعوة من عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني الكردي المسجون، وجلال طالباني، رئيس مجلس الحكم العراقي الراحل، ومسعود برزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان.

بيد أنه لم يتسن تنفيذ القرارات التي اتُّخذت خلال المؤتمر بسبب حالة عدم الارتياح التي شعرت بها الدول إزاء الاتفاقات التي تم التوصل إليها بين الأحزاب الكردية.

وقال سِنان شيفتورِك، زعيم الحزب الشيوعي الكردستاني الذي اعتُقل بسبب انتقاده الهجوم التركي على سوريا، لموقع أحوال تركية إن "التطورات التي حدثت في شمال شرقي سوريا في الآونة الأخيرة تُلزم الأكراد ببناء وحدة وطنية. نحن نواجه أموراً مشابهة حدثت في كردستان العراق، الذي انتُقصت منه كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها وجرى انتزاعها من الأكراد وتسليمها إلى النظام العراقي".

وفي استفتاء على الاستقلال في كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها أجرته حكومة إقليم كردستان العراق بقيادة برزاني في سبتمبر 2017، صوتت أغلبية ساحقة من الناخبين لصالح الانفصال.

ورفضت بغداد وأنقرة وطهران ذلك التصويت بشدة. واحتجّت الولايات المتحدة أيضاً على القرار، وفقاً لما ذكرته وكالة أسوشيتد برس. وأجبرت الضغوط السياسية والعسكرية المكثفة، التي مارستها القوى المعارِضة، البرزاني على التنحي والتخلي عن المكاسب التي حققها الأكراد على الأرض قبل الاستفتاء.

أضاف شيفتورِك أن "حالة التفتت هي المأساة التاريخية التي يعاني منها الأكراد. كردستان الواقعة بين الدول الأربع قُسِّمت قبل قرن من الزمان، ليس جغرافياً فقط، ولكن أيضاً ثقافياً واقتصادياً وسياسياً. السبيل الوحيد للتغلب على الصدمة التي أحدثتها هذه المأساة التاريخية هي إدراك الوحدة الوطنية".

وكردستان هو الاسم غير الرسمي للمنطقة التي يُشكل السكان الأكراد فيها نسبة كبيرة من السكان، والتي جرى تقسيهما بين كل من تركيا وسوريا والعراق وإيران بعد الحرب العالمية الأولى. وتعرض الأكراد لأعمال وحشية باستمرار، فضلاً عن إنكار هويتهم الثقافية وتهميشهم سياسياً واجتماعياً من جميع الأطراف على مدى القرن الماضي.

وبالنسبة لشيفتورِك، فإن من المهم أن تشارك الأحزاب الكردية البالغ عددها 14 حزباً في انتخابات حكومة إقليم كردستان عام 2020 بقائمة واحدة للتحالف الوطني.

وفيما يتعلق بتركيا، فإن الأحزاب الكردية أصدرت إعلان نوايا، وسيتم التوصل إلى تحالف دائم في أي حالة من الأحوال.

وأعلنت الأحزاب الكردية الكبرى في العراق الشهر الماضي عن خوض الانتخابات البلدية في أبريل 2020 في المناطق العراقية المتنازع عليها ضمن قائمة مشتركة لحشد أصوات الأكراد وراءها، وفقاً لما ذكرته شبكة رووداو.

وقال درسيم داغ، نائب تركيا عن حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد إن تركيا لم تهاجم روج آفا في سوريا فحسب، وإنما استهدفت أيضاً تحقيق مكاسب سياسية في أنحاء كردستان.

أضاف داغ أن "الأكراد في مناطق كردستان الأربعة، وفي أنحاء العالم خرجوا إلى الشوارع للاحتجاج ضد غزو شمال شرفي سوريا والمذابح التي ارتُكبت هناك، ولحماية المكاسب التي تحققت في روج آفا... وجود موقف موحد من الأكراد في أنحاء العالم ضد الغزو هو ظرف نادر شهدناه".

ووفقاً للنائب فإن الشعب الكردي أظهر أنه يريد تحقيق الوحدة الوطنية من خلال الخروج إلى الشارع.

بيد أن داغ يصر على أن وجود الوحدة في الشارع فقط ليس كافياً. وفي العملية التالية، تقع المسؤولية على عاتق السياسيين، فيتعين عليهم جميعاً فعل كل ما بوسعهم لتحقيق الوحدة الوطنية الكردية، بغض النظر عن الانتماء السياسي. وقال داغ لموقع أحوال تركية إن هذا سيجعل الأكراد أقوياء على مائدة الدبلوماسية.

وقال سارتاش بوجاك، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، إن الوحدة الوطنية الكردية يمكن تحقيقها من خلال الشمول.

أضاف أن "الغضب الشعبي من تركيا يُظهر أهمية الوحدة الكردية من جديد. ما يمكننا أن نفعله هو أن نشكل التحالف الوطني الكرديّ بالنظر في تجارب الآخرين حول العالم".

وأردف قائلاً "بداية، يجب على كل جزء منقسم في كردستان أن يُشكل تحالفه المحلي. بعد ذلك، إذا كان يتسنى خلق الظروف اللازمة، فمن الممكن تأسيس مؤتمر وطني. لكن ضمان وحدة كل جزء من الأجزاء، على الأجندة الآن. ومن ثم، وكوننا أحزاب سياسية في كردستان، فإنه يتحتم علينا أن نتبنى نهجاً مشتركاً".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/kurds/kurdish-unity-can-no-longer-be-postponed-say-kurdish-politicians