نجم أردوغان كسياسي بزغ في إسطنبول وقد يأفل منها

كان أول سطوع لنجم الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان كسياسي، في مدينة إسطنبول، وقت أن كان عمدة للمدينة في تسعينيات القرن الماضي. والآن، في أعقاب الهزائم التي مُني بها حزبه الحاكم – حزب العدالة والتنمية – العام الماضي، قد يُثبت عمدة المدينة الجديد أن نجم أردوغان السياسي قد أفل.

برز اسم أردوغان في إسطنبول، وكان الرجل يرى دائما المدينة الأكبر في تركيا، والعاصمة المالية، درة تاج أمجاد البلاد. وقد وافق على مشروعات عملاقة بقيمة 100 مليار دولار للمدينة، تضم أكبر مطار في العالم، وأكبر مسجد في تركيا، ومركزاً مالياً بمليارات الدولارات، وجسراً ثالثاً فوق مضيق البوسفور، وقناة ملاحية بطول 45 كيلومتراً، تربط البحر الأسود ببحر مرمرة، بموازاة المضيقين اللذين يخترقان المدينة.

هذا الاقتراح الأخير هيمن على إسطنبول في الآونة الأخيرة، حيث تعهّد أردوغان باستمراره، بينما وضع العمدة المُعارض أكرم إمام أوغلو سمعته السياسية على المحك بوقوفة ضد هذا المشروع.

ويبلغ تعداد سكان إسطنبول نحو 16 مليون نسمة، وتسهم المدينة بثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد تقريباً. ولسنوات، سمحت ميزانيتها الضخمة لحزب العدالة والتنمية بممارسة وصايته ودعم الجماعات والقضايا التي ساعدت على زيادة القاعدة المؤيدة للحزب الإسلامي. لكن منذ فوز إمام أوغلو في الانتخابات في يونيو، كشف العمدة الجديد سوء الإدارة والفساد اللذين كانا متفشيين في هذه البلدية تحت إدارة حزب العدالة والتنمية؛ ومن بين مظاهر الفساد تلك إهدار الملايين على أكثر من ألف ومئتي سيارة غير ضرورية، والأموال الكثيرة التي كانت تُمنح للجمعيات الخيرية المرتبطة بالرئيس.

ويدّعي أردوغان أن القناة ستحد من ازدحام حركة الملاحة في مضيق البوسفور، وتقلل مخاطر وقوع حوادث. ويقول إن الحكومة ستطرح مناقصة لإنشاء قناة إسطنبول خلال الأسابيع القادمة.

ويشير منتقدو المشروع إلى احتمال وصول التكلفة إلى 20 مليار دولار، فضلاً عن إلحاق دمار بيئي كبير بالبحر الأسود وبحر مرمرة والمناطق المحيطة بهما، على نحو يقوّض قطاع الصيد الذي يعاني أصلاً من مشاكل. في المقابل، أكدت الحكومة التركية أن الأثر البيئي لهذا المشروع إيجابي.

ووصف إمام أوغلو المشروع بأنه خداع للمدينة، وألغى الشهر الماضي بروتوكول تعاون مع القناة، كانت إدارة المدينة السابقة المنتمية إلى حزب العدالة والتنمية قد وافقت عليه.

وشكك إمام أوغلو في التقييم البيئي الحكومي، وتعهد بالتحقيق في بيع مساحات من الأراضي على طول القناة المقترحة لمستثمرين أجانب، من بينهم والدة أمير قطر.

ويرى كريستيان براكل، رئيس فرع مؤسسة هاينريش بول – التي تتخذ من برلين مقراً – أن هذا أحد الأسباب التي جعلت أردوغان يتمسك بالخطة إلى حد التعنت، لأنه ستكون هناك تبعات سياسية وتجارية إذا لم يتم إنشاء القناة.

وقال في تدوينة صوتية لموقع أحوال تركية "لقد باعوا بالفعل الكثير من العقارات والأراضي بجوار القناة المستقبلية، وأستشف من ذلك أن بعض المشترين سيغضبهم شراء تلك الأراضي بعدما يكتشفون أنها في وسط العدم، وأنها لن تطل على أي واجهة بحرية".

وقال أردوغان الشهر الماضي إن هناك بعداً سياسياً أيضاً لمشروع القناة، سيتم الكشف عنه عندما يأتي الوقت المناسب. وقد تدرّ القناة إيرادات كبيرة على الحكومة، حيث من الممكن فرض رسوم عبور على السفن التي تسعى لتجنب تأخيرات تصل إلى 14 ساعة عند عبورها مضيق البوسفور، المتاح عبوره بدون مقابل وفقاً لما تنص عليه اتفاقية مونترو الموقعة في عام 1936. وقال براكل إن أردوغان يكره الانصياع للانتقادات.

أضاف "إنه ليس الشخص الذي يصل إلى حلول وسط أو يقبل بتقديم تنازلات عندما يتعلق الأمر بهذه المشروعات المجنونة... أعتقد أن هناك رؤية محددة، وهي رؤية العظمة والخيلاء".

وقالت إلميرا بايراسلي – المؤسس المشترك لمنظمة (فورين بوليسي إنترَّبتد) المناصرة لمشاركة المرأة بصورة أكبر في وسائل الإعلام، والمُحاضِرة في كلية بارْد في جامعة مدينة نيويورك – إن الشعب التركي يزداد غضباً من نمط الرجل القوي هذا، الذي يتعامل بنظرة فوقية. أضافت أن تدشين حزبين جديدين على يد السياسيين المنحدرين من حزب العدالة التنمية – أحمد داوود أوغلو وعلي باباجان – يسلط الضوء على تراجع مستويات التأييد الذي يحظى به أردوغان.

وأردفت قائلة في تدوية صوتية لموقع أحوال تركية "لم نر بعد ما إذا كان هذا سيجعل أردوغان يعيد التفكير في أسلوب قيادته وحُكمه... هذان الحزبان الجديدان سينالان بالتأكيد من مستويات التأييد التقليدية التي اعتاد أردوغان الاعتماد عليها".

في المقابل، من المرجح أن يساعد هذا في تعزيز صعود نجم إمام أوغلو في الداخل. وشأنه شأن الرئيس التركي، نشأ إمام أوغلو في أسرة متواضعة الحال تنحدر في الأصل من منطقة البحر الأسود. أيضاً، يتمسك إمام أوغلو بهويته الدينية، وهو أمر غير معتاد بالنسبة لسياسي ينتمي إلى حزب المعارضة العلماني الرئيس، حزب الشعب الجمهوري.

وقالت بايراسلي "إنه جذاب جداً للناس في تركيا، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية".

 وبعيداً عن المشاكل الاقتصادية العميقة، أو احتمال زيادة الأصوات المعارضة، فإن براكل يتوقع إنشاء القناة وفقاً للخطط الموضوعة. وبالنسبة للشق الأول، وهو المشاكل الاقتصادية، فإن احتمالها ضعيف نظراً لأن الاقتصاد التركي عاد إلى النمو في الآونة الأخيرة. لكن بالنسبة للشق الثاني، فإنه ما يزال أمراً محتملاً.

واقترح إمام أوغلو العام الماضي إجراء استفتاء على مشروع القناة. بعد ذلك بأيام، أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة أرتبير أن نحو ثلاثة من بين كل أربعة من سكان إسطنبول (72.4 في المئة) يعارضون المشروع.

وإلى جانب فوز أكرم أوغلو في انتخابات بلدية إسطنبول العام الماضي مرتين – المرة الأولى بهامش بسيط، والثانية باكتساح في الإعادة – فإنه مهيأ لأن يشكل تحدياً في الداخل لأردوغان، الذي قاد تركيا على مدى 17 عاماً.

وقال براكل "هناك فهم واضح أنه المنافس الأرجح... إذا نجح في حشد معارضة كبيرة لمشروع القناة، فإنه سيكون بذلك قد انتصر على أردوغان للمرة الثالثة. ومن ثم، فإن هذه الخطوة تتسم بذكاء سياسي واضح".

وعبّر عدد من المعلقين الأتراك عن الرأي ذاته. وكتب إمري كونغار في صحيفة (جمهورييت) يقول إن "مشروع قناة إسطنبول يُعجّل بخسارة الحكومة للسلطة ويعزز مستقبل إمام أوغلو السياسي".

وشعبية إمام أوغلو السياسية هي شعبية معنوية إلى حد ما حالياً، نظراً لأن تركيا ليست على موعد مع أي انتخابات جديدة حتى عام 2023. بيد أن الكثير من المراقبين – بما في ذلك عمر تاشبينار، الذي يعمل في مؤسسة بروكينجز – لمّحوا إلى أن أردوغان قد يدعوا قريباً إلى إجراء انتخابات مبكرة.

وترى بايراسلي بعض الحكمة في مثل تلك الخطوة، خاصة أن بعض الناخبين الأتراك بدأوا يضيقون ذرعاً بتدخلات أردوغان الخارجية، أولاً في سوريا، ثم في ليبيا في الآونة الأخيرة.

وقالت "أردوغان قلق للغاية على مستقبله السياسي. أعتقد أن الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة ستعطيه ميزة بالتأكيد... فهي لا تسمح لداوود أوغلو وباباجان ببناء أرضية سياسية وتأسيس حركة تكون لها قاعدة جماهيرية عريضة".

ولا يثق براكل في قدرة الحزبين الجديدين على إحداث أثر كبير، ولا حتى في الأجل الطويل، ويرى أن أثر الهزيمة في الانتخابات البلدية واستمرار المشاكل الاقتصادية يشكلان معضلة لحزب العدالة والتنمية.

وعلق على ذلك قائلاً إن "الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة ستكون قراراً غير حكيم من أردوغان".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/recep-tayyip-erdogan/istanbul-launched-erdogans-political-career-and-could-also-end-it
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.