مقتل سليماني يعود على أردوغان بمنافع أكبر من تكلفته

كان قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقتل قاسم سليماني بمثابة عملية اغتيال مستهدفة تتناسب مع مسؤول قام بإدماج أساليب النزاريين في ممارسته للدبلوماسية بالنيابة عن جمهورية إيران الإسلامية، ولن يكون لهذا القرار تأثير سلبي يذكر على علاقة ترامب الشخصية مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان أو على العلاقات الرسمية بين الولايات المتحدة وتركيا.

فعلى العكس من ذلك، وبغض النظر عن شكاوى أردوغان من تلك الخطوة التي أقدمت عليها أميركا، لم يكن سليماني صديقا أو حليفا لتركيا أو المصالح التركية. ولن يندب القادة الأتراك وفاة سليماني بصدق.

كان سليماني بمثابة ركيزة أساسية، عنصر جوهري يجمع بين مختلف أجزاء السياسة الإيرانية الرامية إلى بسط الهيمنة على الشرق الأوسط. تولى سليماني تنسيق الجهود الدبلوماسية الإيرانية، والجهود الاستخباراتية تحت غطاء دبلوماسي، والعمليات الخاصة التي تهدف لمعاقبة من يعارضون التعاون مع إيران. مارس الخداع والتهديد بل والقتل (إذا رأى ضرورة لذلك) ضد المعارضين لهدف إيران المتمثل في الهيمنة على الشرق الأوسط الكبير بأكمله. كان أولا وقبل كل شيء قوميا إيرانيا، وهو أيضا مسلم شيعي متدين، لكنه في المقام الأول كان قوميا استخدم الحلفاء والجماعات الموالية في تعزيز نفوذ ومكانة إيران. وعلى غرار ميول أردوغان ونزعته العثمانية الجديدة، لم يقف تمسكه بالإسلام وانتشاره عقبة في طريق جهوده الرامية لبسط هيمنة شعب الهضبة الفارسية على المنطقة.

ولقد حالف الحظ كلا من ترامب وأردوغان. فرد الفعل الإيراني كان خافتا إلى حد ما ولم يُقتل أي من الأفراد الأميركيين جراء الضربات الصاروخية الإيرانية. من الواضح للجميع أن ترامب يريد فرض خطه الأحمر بخصوص قتل الأميركيين، بما يتسق تماما مع نهجه الذي يرفع فيه شعار "أميركا أولا". وفي المقابلة التي أجرتها قناة (سي.إن.إن ترك) مع أردوغان، قال الرئيس التركي إنه شعر بالصدمة من تصرف ترامب. ربما كان هذا صحيحا، أو لعله قال ذلك ليوضح للإيرانيين والآخرين جميعا أنه لم يكن على دراية مسبقة بخطة ترامب. وإذا كان أردوغان يقصد بشعوره بالصدمة أنه قد فوجئ، فإنه استخدم الفعل الخطأ في تعبيره لأن استعداد ترامب لاستخدام العنف من أجل ردع العدوان على الأميركيين (ولكن ليس الآخرين) ينبغي ألا يفاجئ أحدا. كذلك لا ينبغي لأحد أن يندهش من ممارسته لضبط النفس حيال الأعمال الاستفزازية الإيرانية السابقة التي لم تسفر عن أي خسائر في الأرواح الأميركية أو تسبب إصابات خطيرة.

ثمة أصوات كثيرة عبرت عن استيائها من إصدار ترامب أمرا بقتل مسؤول حكومي كبير، ولكن يبدو أن أردوغان لا يشاركهم في تأييد الموقف القائل بأن المركز الرسمي للمرء يمنحه حصانة من مواجهة عواقب تصرفاته. فكم عدد ضباط الجيش الكبار والأساتذة الجامعيين والمحامين وأفراد المجتمع المدني الذين أُلقي القبض عليهم في تركيا خلال العقدين الماضيين بصرف النظر عن مراكزهم؟ (وبغض النظر عن حقيقة الاتهامات). كما أن أردوغان أدان الرئيس السوري بشار الأسد بشدة. ومن الواضح أنه لا يرى أن مركز الأسد يجب أن يحميه من مواجهة عواقب ممارساته ضد شعبه، إذا كان ذلك ممكنا. (تجدر الإشارة إلى أن أحد الأسباب التي تكمن وراء عدم إمكانية حدوث ذلك يتمثل في الجهود التي بذلها سليماني لإنقاذ نظام الأسد، لا من أجل مصلحة الأسد وإنما لمصلحة إيران). وفي الآونة الأخيرة، لم يتردد أردوغان في إدانة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بسبب قتل جمال خاشقجي. وعلى الرغم من أنه قد يكون لديه أسباب أخرى لرفض القتل المستهدف لقائد فيلق القدس الإيراني، إلا أن مركز سليماني الرسمي ربما لم يشغل حيزا كبيرا في موقف الرفض الضعيف الذي عبر عنه حتى الآن.

بالنسبة لأردوغان، يعود عليه قتل سليماني بمنافع أكثر من تكلفته. فالرئيس التركي لم يضطر إلى اختيار جانب واحد دون الآخر، ومن المؤكد أن فعالية جهود الهيمنة الإيرانية ستنحسر - على الأقل لفترة قصيرة - بعد إبعاد سليماني عن ساحة المعركة والمؤامرات السرية. في الحقيقة، إنه فوز مضاعف لأردوغان؛ ذلك أن قرب تركيا الجغرافي من العراق وإيران سيقنع الكثيرين في الكونغرس الأميركي بأن أردوغان لا يزال عنصرا أساسيا لا غنى عنه للسياسة الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط في الوقت الحالي، في حين تبقى علاقته الشخصية مع صديقه الوحيد في واشنطن، ترامب، على مسارها. وهذا من شأنه أن يخفف من حدة الشكاوى بشأن تقارب روسيا وتركيا المتزايد مع دخول خط أنابيب الغاز في البحر الأسود حيز التشغيل. (من الجدير بالذكر أنه مع تحسين سبل الإمداد بالغاز الروسي، قد يصبح الالتزام بالعقوبات المفروضة على إيران أكثر سهولة).

ويعد مقتل سليماني فوزا مضاعفا لتركيا أيضا. فإيران وتركيا خصمان منذ فترة طويلة، ومن المرجح أن تظل الخصومة قائمة بينهما لعقود من الزمن. والسيطرة الإيرانية الفعلية على المنطقة من الهضبة الفارسية إلى البحر الأبيض المتوسط ​​لا تصب في مصلحة تركيا الأمنية أو الاقتصادية، إذ من شأنها أن تفصل أسواق الجنوب والجنوب الشرقي. وتلك حقيقة لاسيما في ظل خضوع معظم الاقتصاد الإيراني لسيطرة الحرس الثوري الإيراني، الذي استخدم القيادي الراحل أنشطته الاقتصادية لتغطية أنشطته الأجنبية، والعكس صحيح. لن توفر إزاحة سليماني فرصا أكبر لتركيا على المدى القصير، ولكن بمرور الوقت قد يؤدي انحسار الخوف من الانتقام لعدم التعاون مع إيران بين الكثير من دول المنطقة إلى إتاحة المزيد من الفرص التجارية.

والأهم من ذلك أنه بدون سليماني، ستقل قدرات إيران الرامية إلى تنفيذ أهداف سياستها الخارجية بمختلف السبل، على الأقل لبعض الوقت. وهذا في حد ذاته يهيئ الفرصة أمام تركيا لاستعادة مكانتها في المنطقة، على الرغم من أن إرث 500 عام من الهيمنة العثمانية يعيق جهود أردوغان التي ترمي إلى تبوء تركيا مكانة بارزة في المنطقة. (ملحوظة: يؤكد الكاتب أن إيران تسعى للهيمنة على المنطقة؛ بينما تسعى تركيا تحت حكم أردوغان إلى التفوق والتميز الشديد).

وهنا يكمن الفخ للرئيسين: موت سليماني لم يكلف أردوغان شيئا حتى الآن، وتكلفته ضئيلة للغاية على ترامب. وربما يدفعهما ذلك إلى الغرور والثقة المفرطة في قدرتهما على إدارة الأحداث وتوقع النتائج. ولكن، ما من نتائج يمكن التنبؤ بها بالكامل. ومن ثم، فسواء في سوريا وليبيا أو في العراق وإيران، يجب على أردوغان وترامب أن يحجما عن الاندفاع لاتخاذ أي خطوات متهورة إذا أرادا تحقيق كل الفوائد المنتظر جنيها من القضاء على الداهية الإيراني.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-iran/us-killing-soleimani-brings-more-benefits-costs-erdogan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.