ليبيا تحدٍّ فوق العادة لسياسة أردوغان الخارجية

في الثاني من يناير، وافق البرلمان التركيّ على مشروع قانون يسمح بنشر القوات التركية في ليبيا بعد أن قامت حكومة طرابلس في الشهر الماضي بتفعيل اتفاقية أمنية تم توقيعها في الآونة الأخيرة مع أنقرة. لقد تم إقرار مشروع القانون بأغلبية ساحقة وفق الأغلبية الحزبية بموافقة 315 صوتاً مقابل اعتراض 184 صوتاً في مجلس الأمة التركي الكبير.

وطالبت حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة رئيس الوزراء فائز السراج بدعم تركيا بعد تقدم الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر الذي يدعم حكومة موازية مقرها طبرق. وبعد أشهر من التعثر على مشارف طرابلس، استأنفت قوات حفتر تقدمها على العاصمة من عدة جبهات.

وفي حين يصور مسؤولو الحكومة التركية ووسائل الإعلام الموالية للحكومة هذه الخطوة على أنها ضرورية لحماية المصالح التركية، فقد واجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شكوكاً عميقة.

وقبيل التصويت، أعربت جميع أحزاب المعارضة التركية عن رفضها لإرسال أي قوات إلى ليبيا. وبعد اجتماع مع وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو كان يهدف إلى تخفيف مخاوفهم، صرح نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري أونال جاويك أوز بأن موقف الحزب لم يتغير وأنه لا يرغب في أن يرى ليبيا تتحول إلى سوريا ثانية.

وقال جاويك أوز في بيان صادر عن مقر الحزب في أنقرة "في ظل الوضع الحالي، لا نريد للصورة السيئة التي تكشفت في سوريا أن تكرر نفسها في بلد آخر".

ويعتقد أيكان إردمير، مدير برنامج تركيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن أردوغان على عكس الوضع في سوريا يفتقر إلى مبرر حاسم للتدخل في ليبيا من شأنه أن يحظى بتأييد الرأي العام التركي.

ويقول إردمير "في سوريا، استخدم أردوغان ذريعة قتال حزب العمال الكردستاني لإضفاء الشرعية على عملياته عبر الحدود". وتعتبر أنقرة حزب العمال الكردستاني جماعة إرهابية. ويضيف أن أردوغان يفتقر إلى مبررات مماثلة في ليبيا ولذلك سيواجه صعوبة أكثر في إقناع الجمهور التركي هذه المرة.

وقد التزم المسؤولون الأتراك الحذر عند وصف الشكل الذي سيتخذه أي تدخل. وقال نائب الرئيس فؤاد أقطاي إن إرسال القوات سيكون ساري المفعول لمدة عام بعد الحصول على تفويض لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام عدم إرسال أي قوات على الإطلاق. وسيكون هذا مشروطاً بوقف حفتر تقدمه بعد إقرار مشروع القانون في البرلمان.

وقال أقطاي لوكالة أنباء الأناضول الحكومية قبل يوم من التصويت "بعد أن يتم إقراره، إذا غير الجانب الآخر موقفه ... فما الذي يجعلنا نذهب إلى هناك؟"

ويشير الخبراء في شؤون ليبيا إلى أن أي عملية تركية سوف تعقدها مجموعة من الصعوبات السياسية والجغرافية والعسكرية. وإحدى نقاط الضعف الحرجة في الصعوبات الثلاثة تتمثل فيما إذا كانت تركيا قادرة على الدفاع عن قواتها من الجو أو حمايتها من طائرات العدو.

فعلى عكس سوريا حيث تشترك تركيا في حدود تجعل العمليات العسكرية أسهل من الناحية اللوجستية، تبعد ليبيا حوالي 1900 كيلومتر وتقع أقرب قاعدة جوية في شمال قبرص التي تحتلها تركيا. ويستلزم القيام بأي طلعات جوية من هذه القواعد تزويد المقاتلين الأتراك بالوقود في الجو.

ولا تمتلك تركيا حالياً القدرة على توفير الطيران البحري لتعويض ذلك ولا تزال حاملة الطائرات البرمائية الوحيدة تحتاج إلى عدة أشهر قبل أن تدخل الخدمة. والآن وقد تم استبعاد أنقرة من برنامج الطائرات المقاتلة من طراز إف-35، فإنها تفتقر أيضاً إلى أي طائرات ثابتة الجناحين يمكن أن تعمل من البحر أيضاً.

ويقول أرنود ديلالاندي وهو محلل أمني مستقل "لا يوجد دعم جوي بسبب عدم وجود أي قاعدة آمنة بما يكفي لاستيعاب طائرات إف-16"، في إشارة إلى استهداف الجيش الوطني الليبي لمطارات حكومة الوفاق الوطني الليبية. ويحذر ديلالاندي من أنه حتى لو كان التزود بالوقود في الجو خياراً، فإنه ينطوي على خطر الاشتباكات مع الطائرات اليونانية أو المصرية.

وإذا وصلت القوات التركية إلى ليبيا، فإنها تخاطر بالمواجهة مع مجموعة من القوات الأجنبية التي تدعم حفتر من مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا. وفي حين وصف أوقطاي قرار ارسال القوات بأنها ردع لأعداء حكومة الوفاق الوطني الليبية، فقد يكون لها تأثير معاكس.

يقول أوليفر كراولي، الشريك الإداري لمؤسسة ليبيا ديسك التي تقدم استشارات بشأن المخاطر السياسية المتعلقة بليبيا "إذا حدث تدخل تركي بالفعل، فسوف يترجم ذلك إلى مضاعفة أنصار الجيش الوطني الليبي الدوليين لدعمهم".

ويتلقى الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر الدعم من مجموعة كبيرة من القوات الأجنبية. وهناك ما يصل إلى 300 من المرتزقة الروس من مجموعة فاغنر، وهي شركة عسكرية خاصة يملكها حليف للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يقاتلون في صف حفتر في المعركة على طرابلس ويُعتقد أن ما يصل إلى 1000 قد وصلوا في شهر سبتمبر. وهناك أنباء عن قيام طيارين مصريين وإماراتيين بشن غارات جوية لدعم الجيش الوطني الليبي من قبل في حين وردت أنباء عن وجود جنود مصريين داخل طرابلس منذ نوفمبر.

ويحذر كراولي من أن خطر الاشتباكات بين القوات التركية والقوات الأجنبية الأخرى حقيقي لأن مثل تلك الاشتباكات وقعت بالفعل ولكن بشكل غير مباشر. فقد قتلت طائرات تركية بدون طيار عدداً من مرتزقة فاغنر الشهر الماضي وأصيب جنود أتراك في غارة جوية تشير الأنباء إلى أن دولة الإمارات نفذتها على مطار معيتيقة في يونيو.

وقد استخدم أردوغان هذه العناصر لتبرير تصرفاته في ليبيا ومهاجمة خصومه. وقد أبرز وجود فاغنر وسط صفوف الجيش الوطني الليبي كسبب لعدم تجاهل طلب حكومة الوفاق الوطني الليبية المساعدة وسخر من مؤيدي حفتر بسبب "دعم أحد أمراء الحرب" في حين تدعم تركيا "الحكومة الشرعية".

ووفقاً لما ذكره كراولي، يوجد فريق تركي متقدم على أرض الواقع في مصراتة وطرابلس يقوم بتقييم قوات حكومة الوفاق الوطني لوضع استراتيجية عمل من شأنها أن تدفع حفتر إلى المفاوضات. وأشار وزير الدفاع التركي خلوصي أكار على نحو مماثل إلى أن هذه التقييمات كانت جارية.

ومع ذلك، ثمة حساسيات سياسية بانضمام قوات تركية إلى صف حكومة الوفاق الوطني لكل من طرابلس وأنقرة.

فقد اعتمدت تركيا على إجراءات منخفضة المخاطر في ليبيا من شأنها أن تحقق هدفين مزدوجين متمثلين في دعم السراج مع تجنب الخسائر التركية التي قد تؤدي إلى رد فعل عنيف من جانب المعارضة التي لا تريد حرباً مرهقة.

وتم الكشف عن أن تركيا قد أرسلت بالفعل بعض وكلائها التركمان السوريين من أجل القتال في ليبيا ضد حفتر. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن تركيا فتحت مراكز تجنيد في المناطق المحتلة، واجتذبت مجندين مقابل رواتب كبيرة.

وقد قاتلت تركيا إلى حد كبير في سوريا من خلال وكلائها كوسيلة للحد من المخاطر التي يتعرض لها الجنود الأتراك. ومع ذلك، يقول ديلالاندي أنه لا توجد أي معلومات كافية بشأن الوحدات التي يتم إرسالها لتحديد مدى فائدتها في طرابلس.

وتابع ديلالاندي قائلاً "لن تمثل أصولاً أساسية لحكومة الوفاق الوطني الليبية لاستعادة اليد العليا على الجيش الوطني الليبي.. ستكون لمجرد إعادة توازن القوى فحسب".

ويتفق مع ذلك إردمير، مدير برنامج تركيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، ويعتقد أن أنقرة تأمل في أن تقتصر قواتها على تقديم المشورة، لكن هذا قد لا يستمر إذا اشتدت الحرب.

وقال إردمير "على الأرجح ستجبر الحقائق القاسية في ساحة المعركة الليبية أردوغان على أن يمد مرتزقته بالقوات التركية القتالية".

ويقول الخبراء إن طبيعة وتكوين الجماعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق الوطني الليبية لها حساسياتها الخاصة. ويقول ديلالاندي إن كتائب مصراتة ترفض بالفعل بشكل قاطع العمل مع السوريين الذين أرسلوا للقتال في طرابلس.

ولفت كراولي الانتباه إلى حقيقة أن الجماعات المسلحة الليبية تقاتل بالفعل في تحالف يجتمع على الكراهية المشتركة لحفتر وقبل أن يشن هجومه في أبريل، كان كثيرون منهم أعداء لبعضهم البعض. وحتى المشاركة التركية المباشرة على أرض الواقع سيكون من الصعب الحصول عليها.

وحذر كراولي قائلاً "لا يزال من الصعب سبر أغوار القوات التركية التي تتدخل مباشرة وتقاتل على الخطوط الأمامية، لأن ذلك سيؤدي إلى فقدان حكومة الوفاق الوطني الليبية للدعم السياسي الذي تشتد الحاجة إليه على المستوى المحلي"، مضيفاً أن رؤية الأتراك يشاركون في المعارك قد تزيد من دعم الجيش الوطني الليبي وسط الليبيين.

وأردف قائلاً "عند وضع كل هذا في الاعتبار، سيكون من الضروري أن تكون قوات تحالف حكومة الوفاق الوطني الليبية هي التي تقود أي عملية عسكرية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-libya/libya-too-big-foreign-policy-challenge-erdogan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.