لماذا يقحم أردوغان ذكرى أتاتورك في تدخّله العسكري بليبيا؟

أنقرة – لماذا يقحم أردوغان ذكرى مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك حين يبرّر تدخّله العسكريّ في ليبيا؟ ما غايته من التذكير بإصابة أتاتورك في عينه حين ذهب إلى طرابلس للقتال قبل الحرب العالمية الأولى؟

يحاول أردوغان إحراج حزب الشعب الجمهوري، وهو الحزب المعارض الرئيسي له في البرلمان، بالقول إنّ هذا الحزب تخلّى عن نهج مؤسّسه الراحل مصطفى كمال أتاتورك (1881 - 1938)، وإنّه يتنكّر لذكراه وبطولاته، ليحيل بذلك إلى أنّه لا يمثّل أولئك الذين يقدّسون أتاتورك، ويعتبرونه بطلهم التاريخيّ..

انتقد أردوغان المعارضة التركية لرفضها مسألة إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، قائلا: "هؤلاء لا يدركون بأن مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك ذهب على رأس جنوده إلى طرابلس الغرب، وأصيب هناك في عينه".

يحرّض أردوغان بذلك أنصار حزب الشعب الجمهوريّ على قيادته، من خلال الإيحاء بأنّهم يخونون رسالة أتاتورك، ويتجاهلون تضحياته التاريخية، وأنّه أراق دمه، وأصيب بعينه في ليبيا، وأنّ جرح عينه يهون على مَن يعتبرون أنفسهم أتاتوركيين، ويزعمون الحديث باسمه وإكمال رسالته، في حين أنّهم لا يبالون بالانتقام له أو المحافظة على اعتباره التاريخيّ.

ويحيل بطريقة لا تخلو من خبث واستخفاف بمعارضيه، ومحاولة التضليل والتلاعب بالحقائق وتحويرها وفق مصالحه في الوقت نفسه، إلى أنّه هو الذي يقتفي أثر أتاتورك، ويكمل حربه التاريخيّة، ويعمل على الحفاظ على إرثه، والثأر لعينه المجروحة في ليبيا.

يحاول أردوغان البحث في تاريخ السلطنة العثمانية عن أحداث تاريخية تبرّر له تدخّله الراهن في ليبيا، وذلك في سياق استعادة الأمجاد العثمانية لتأكيد ما يشير بأنّه حقّ تاريخيّ، وأنّه يسعى لتجسيد البطولات مجدّداً، والتوسّع في مناطق نفوذ السلطنة العثمانية سابقاً.

وفي هذا السياق تراه يستعيد إصابة أتاتورك بعينه في ليبيا، ويشير عبر استذكار تلك الحادثة إلى معركة طبرق التي تعدّ معركة مهمة في تاريخ ليبيا والدولة العثمانية، حيث بزغ فيها نجم مصطفى كمال أتاتورك كقائد حربيّ محنّك.

ووقعت معركة طبرق عام 1911 في طبرق بليبيا بين العثمانيين والليبيين من جهة، والاحتلال الإيطالي من جهة ثانية، وانتصر فيها الليبيون والعثمانيون على الإيطاليين. وكان العثمانيون ابتهجوا مؤقّتاً حينها أنّهم انتصروا في معركة طبرق، لكنّهم خسروا الحرب العثمانية الإيطالية العثمانية، والتي يطلق عليها الحرب الليبية، امتدت بين 29 سبتمبر 1911 حتى 18 أكتوبر 1912، حيث سعت إيطاليا لاحتلال ولاية طرابلس الغرب التي كانت إحدى الولايات العثمانية كجزء من التوسع للمملكة الإيطالية.

يحرّض أردوغان أنصار الشعب الجمهوريّ على قيادته
يحرّض أردوغان أنصار الشعب الجمهوريّ على قيادته

وشكلت الحرب التي أطلق عليها فيما بعد "حرب طرابلس الغرب" خطوة مهمة نحو الحرب العالمية الأولى، نجح الإيطاليون بهزيمة الأتراك العثمانيين في أن يشعلوا النزعة الوطنية في البلقان ضد العثمانيين، الأمر الذي أدى إلى إعلان البلقانيين الحرب على الدولة العثمانية قبل انتهاء حربها مع إيطاليا. وذلك بحسب موسوعة ويكبيديا.

ويسترجع أردوغان ابتهاج العثمانيين حينها بالنصر المرحليّ الذي كان يعتبر بسيطاً بالمقارنة مع أحداث ووقائع أخرى في الحرب، ليسقطه على واقع الحال التركي، ويؤكّد من خلاله أنّ البهجة التركية قادمة، وأنّ التدخّل العسكري في ليبيا منطلق من وقائع تاريخية، ومن اللافت أنّه سيستعيدها بطريقة معاصرة..

ومن الضروري في هذا السياق الإشارة إلى أنّ السلطان العثماني تنازل عن ليبيا لإيطاليا بتوقيع معاهدة أوشي عام 1912، وذلك على الرغم من رفض غالبية الليبيين لذلك. وهذا ما تجاهله أردوغان في استذكاره لحادثة إصابة عين أتاتورك في ليبيا، لأنّ من شأنها أن تعيد إلى الأذهان تخلّي العثمانيين عن الليبيين وتنازلهم عن ولاية طرابلس، وتسليمها إلى محتلّ آخر.

ويشدّد أردوغان، على أن تواجد قوات بلاده في ليبيا يهدف لإنهاء الظلم فقط، وقال أردوغان إن "تركيا ستواصل الدفاع عن حقوقها ومصالحها في العراق وسوريا والأبيض المتوسط حتى النهاية".

وأردوغان الذي يكرّر أحاديثه عن المكائد التي تخطّط لبلاده، والمؤامرات التي تستهدفها، يزعم أن أنقرة أفشلت المؤامرات التي كانت تحاك ضدها في المتوسط، من خلال الاتفاقات التي أبرمتها مع جمهورية شمال قبرص التركية وليبيا. وزعم كذلك أن بلاده أفشلت أيضا محاولات إضعافها من الداخل، عبر التنظيمات الإرهابية.

يثير معارضون أتراك أسئلة من قبيل: هل تنساق المعارضة التركية وراء محاولات أردوغان إحراجها بطريقة شعبوية، ومحاولته تأليب قاعدتها وجمهورها عليها، من خلال الإيحاء أنّه يمشي على طريق مؤسس الجمهورية التركية، وأنّ المعارضة لا تقوم بدورها ومهامها في الحفاظ على الأمن القومي التركيّ، ولا تكترث لتاريخ مؤسس حزبها وجمهوريّتها، وما إن كانت مزاعم أردوغان وشعاراته الدعائية ستحظى بأيّة أهمّية في الوقت الراهن وفي الأيام القريبة القادمة، بعد أن ينقشع غبار التهويل، وتبدأ الخسائر في صفوف الجنود الأتراك بالوصول إلى البلاد.

يشار إلى أنّ حزب الشعب الجمهوري عارض مشروع قانون يهدف للسماح بنشر قوات في ليبيا، واعتبر أن مثل هذا التحرك سيفاقم الصراع هناك ويؤدي لانتشاره في المنطقة. كما أنّه صوّت في البرلمان ضدّ القانون الذي حظي بأغلبية برلمانية، ووافق عليه 325 عضواً، في حين عارضه 184 عضواً.