هل تتخلّى تركيا عن الميليشيات المسلّحة في إدلب؟

أنقرة - هل يقدّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مدينة إدلب لنظيره الروسي فلاديمير بوتين الذي يزور تركيا اليوم من أجل تدشين مشروع السيل التركي؟ هل تتخلّى تركيا عن الميليشيات المتشدّدة التي تدعمها وترعاها في إدلب؟ هل آن الأوان لتسليم تركيا الملفّ السوريّ لروسيا كي تفاوضها على الملفّ الليبيّ عساها تحصل منها على تنازلات في طرابلس؟

تثار العديد من التساؤلات حول موقف تركيا من القصف المستمرّ على إدلب، ومحاولات المسؤولين الأتراك، وعلى رأسهم أردوغان، تحويل مأساة إدلب إلى أداة للمتاجرة والضغط على الأوروبيين بمسألة اللاجئين، والتصريح أنّ تركيا لن تستطيع تحمّل أعباء مزيد من اللاجئين السوريّين، وأنّها قد تضطرّ لفتح الأبواب والحدود أمامهم للعبور إلى الأراضي الأوروبية.

واستثمرت تركيا طيلة سنوات النزاع السوريّ في المجموعات المتشدّدة المعارضة للنظام السوريّ، ودعمتها وساندتها بالعتاد والسلاح، وفي مقدمتها جبهة النصرة التي بايعت تنظيم القاعدة الإرهابيّ، كما مهّدت لها الأرضية اللوجستيّة لانضمام المقاتلين والجهاديين الأجانب إليها، من خلال فتح المطارات والحدود لهم للعبور والقتال في سوريا.

يجد أردوغان نفسه في موقف حرج في إدلب، فهو يقف مكتوف اليدين إزاء قصف روسيا والنظام عليها، من دون أن يجرؤ على الإقدام على أيّ فعل من شأنه تخفيف الضغط عن المدنيين هناك، كما أنّ حلفاءه من المتشدّدين بدؤوا يفقدون الثقة به، لأنّه لا يستطيع الالتزام بما قطعه من وعود لهم، ناهيك عن ضغطه على قسم منهم، ونقلهم للقتال إلى جانب المتشدّدين في ليبيا كمرتزقة تابعين له.  

وفي الوقت الذي تحوّلت فيه أنقرة من ضامن لعملية خفض إطلاق النار في منطقة إدلب، بالشراكة مع روسيا وإيران كضامنين رئيسين، فإنها أصبحت أداة بيد كل منهما في الملف السوري، بحسب ما يشير مراقبون، وفضّلت التركيز على منطقة شمال شرق سوريا، وتحجيم الحلم الكردي فيها، من خلال القضاء على الإدارة الذاتية الكردية، وقوات سوريا الديمقراطية، وشنّ عملية نبع السلام، وزعم إنشاء منطقة آمنة لتوطين اللاجئين السوريين فيها.

تحوّلت تركيا من شريك لروسيا إلى أداة بيدها
تحوّلت تركيا من شريك لروسيا إلى أداة بيدها

واستقبل أردوغان أمس نظيره الروسي فلاديمير بوتين لتدشين خط أنابيب غاز جديد ومناقشة النزاع في كل من ليبيا وسوريا. ووصل بوتين تركيا في ساعة متأخرة الثلاثاء بعد زيارة مفاجئة إلى سوريا - الأولى له إلى دمشق منذ اندلاع النزاع - وسط تصاعد التوتر في الشرق الأوسط على خلفية اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال الإيراني قاسم سليماني في ضربة أميركية في العراق.

ويسعى الزعيم الروسي إلى تعزيز دوره كلاعب إقليمي في المنطقة، في الافتتاح الرمزي لخط توركستريم، الذي ينقل الغاز الروسي إلى تركيا وجنوب أوروبا عبر البحر الأسود، ويلفت محللون إلى أنّه سيؤكّد على أنقرة وجوب إيقاف دعمها للجماعات المسلحة التي تواليها في إدلب.

ويقول محللون روس إن "مطالب روسيا بسيطة جدا.. وإنّ على تركيا بذل مزيد من الجهود للقضاء على الخلايا الإرهابية في إدلب. ستدور النقاشات حول هذه الفكرة". وما سهل من تحسن العلاقات بين الدولتين عدد من الاتفاقات الكبيرة في مجالي الطاقة والدفاع، تقوم روسيا ببناء أول منشأة نووية لتركيا وزودتها بمنظومة إس-400 الدفاعية الصاروخية. وحظي بوتين برضى في تركيا بعد دعمه السريع لإردوغان في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016. ونسج الرئيسان "علاقة شخصية قوية" وفق بعض المحللين الذين يرون أنّ "خططهما المتعلقة بالاقتصاد والطاقة مترابطة".

وقد صعدت القوات الحكومية السورية المدعومة من روسيا، عمليات القصف التي استهدفت آخر معاقل المسلحين في محافظة إدلب في الأسابيع الأخيرة، ما أدى إلى نزوح آلاف الأشخاص باتجاه الحدود التركية. ودعا أردوغان إلى وقف لإطلاق النار في إدلب في أعقاب هدنتين مؤقتتين تم التوصل إليهما مع روسيا في أواخر 2018 وأغسطس العام الماضي.

وأعلنت أنقرة استعداد المجموعات الإرهابية التابعة لإيران، لشن هجمات على ريف حلب الغربي الواقع ضمن منطقة خفض التصعيد شمالي سوريا. ودخلت تلك المجموعات التي تساند قوات النظام ، في استعدادات قتالية كبيرة تحت إشراف ضباط إيرانيين، لشن هجوم بري على الريف الغربي لمحافظة حلب.

وتسبب قصف النظام وداعميه لمناطق خفض التصعيد جنوبي، وجنوب شرقي إدلب، في نزوح مئات الآلاف من المدنين، ومقتل أكثر من 1000 مدني. وتعتبر محافظة إدلب في شمال غربي سوريا، معقلا للمعارضة والجماعات المسلحة المناهضة للنظام السوري منذ بداية الحرب الأهلية.

واستقبلت المحافظة الخاضعة لسيطرة المعارضة منذ 2015 ملايين النازحين الفارين من قصف النظام من المحافظات، ويبلغ عدد سكانها حالياً نحو 4 ملايين من السكان والنازحين.

وفي مايو 2017، أعلنت تركيا وروسيا وإيران توصلها إلى اتفاق "منطقة خفض التصعيد" بإدلب، في إطار اجتماعات أستانة المتعلقة بالشأن السوري. إلا أن قوات النظام وداعميه تواصل شن هجماتها على المنطقة رغم التفاهم المبرم بين تركيا وروسيا في 17 سبتمبر 2018، بمدينة سوتشي الروسية، على تثبيت "خفض التصعيد".