في مواجهة أنقرة وواشنطن، مطار القامشلي 49 عاماً لروسيا على خُطى حميميم

القامشلي (سوريا) - لا يبدو ما يحدث اليوم في مناطق شرق الفرات السورية منذ أكتوبر وبدء عملية الغزو التركي المُسمّاة "نبع السلام"، بعيداً عمّا كشفت عنه وسائل إعلام تركية وأميركية العام الماضي، بأنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترامب قد توصلا إلى اتفاق بشأن قضية الأكراد في شمال شرق سوريا.
والقرار الأميركي الروسي، الذي اتخذ في فبراير 2018، وأطلق عليه اسم "نموذج القامشلي"، يقترح الاعتراف بكثير من الحقوق الثقافية للأكراد في المنطقة في إطار وحدة أراضي سوريا، وبموجب هذه الخطة، يحل العلم السوري محل جميع أعلام حزب الاتحاد الديمقراطي في المنطقة.
وبالتوافق مع الأكراد، فقد بقي مطار مدينة القامشلي والأحياء المجاورة له على مدى السنوات الماضية تحت سيطرة الحكومة السورية. وافتراض نشر قوات روسية، هناك، وإمكانية تأجير المطار باتت حقيقة وليس مُجرّد تكهنات.
وقبل أن يقرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكتوبر سحبها، كانت القوات الأميركية منتشرة في القامشلي التي تقع على الحدود مع تركيا وتُعد أكبر مدينة كردية في شمال شرق سوريا، فيما تخضع القامشلي اليوم لحرب إنشاء قواعد عسكرية وتقاسم للنفوذ.
وتشير تحركات عسكرية أميركية وروسية في شمال شرق سوريا حيث تتواجد حقول النفط، إلى صراع نفوذ بين القوتين المتدخلتين في الصراع السوري واللتين تقفان على طرفي نقيض من الأزمة السورية.
وتستعد قوات أميركية للتمركز في قاعدتين عسكريتين جديدتين في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا في منطقة قريبة من حقول النفط، بينما بدأت موسكو في إنشاء قاعدة لهبوط المروحيات في مطار مدني بمدينة القامشلي.
وينفتح المشهد السوري على ضوء هذه التطورات على حرب قواعد بين واشنطن وموسكو في الوقت الذي تسعى فيه كل من تركيا وإيران أيضا لتعزيز نفوذهما.
وتحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن "عملية تقاسم النفوذ" في مناطق شمال شرق سورية، في ظل التواجد الروسي والأميركي المشترك داخل المنطقة نفسها.
وباتت المنطقة الممتدة من القامشلي إلى عين ديوار تحت النفوذ الأميركي، بينما المنطقة الممتدة من القامشلي إلى رأس العين (سري كانييه) ومن تل أبيض إلى عين العرب (كوباني) تحت النفوذ الروسي، أما المنطقة الممتدة من رأس العين إلى تل أبيض فتخضع للنفوذ التركي والفصائل الموالية لها، مع تواجد مُتزايد لقوات النظام السوري في مدينة القامشلي وما حولها.
وتشهد محاور بمنطقة أبو رأسين وريف تل تمر الواصل إلى رأس العين اشتباكات متجددة بين "قسد" والفصائل الموالية لأنقرة حالها كحال المنطقة الواقعة بين عين عيسى وتل أبيض.
وسيطرت القوات الروسية على منتجع "النادي الزراعي" في القامشلي على مقربة من منطقة المطار لاتخاذه مقرّا لقواتها.
وحصل المرصد السوري لحقوق الإنسان على معلومات بشأن احتمالات تأجير النظام السوري مطار القامشلي إلى القوات الروسية لتتخذه مقرا لها لمدة ٤٩ عاما، على غرار ما حدث في قاعدة حميميم، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى إنشاء قاعدة عسكرية جديدة لها في القامشلي.
ووفقاً لما أوردته قناة "روسيا اليوم"، فقد تحدث فلاديمير موخين في صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، حول محادثات بين موسكو ودمشق لاستئجار مطار القامشلي ودوره في تعزيز الوجود الروسي في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط عموما.
وأمس أكدت قناة زفيزدا التلفزيونية التابعة لوزارة الدفاع الروسية أنّ موسكو بدأت في إنشاء قاعدة هليكوبتر في مطار مدني بمدينة القامشلي في شمال شرق سوريا، وعرضت مقطعا يظهر وصول طائرات هليكوبتر هجومية قادمة من قاعدة حميميم.
وأعلن الجيش الروسي الخميس أنه نشر في قاعدة عسكرية مروحيات وصواريخ أرض جو في القامشلي بشمال شرق سوريا، المنطقة التي كان يتمركز فيها الأميركيون من قبل.
وقال قائد القاعدة الكومندان تيمور خجاييف لوكالة الأنباء الرسمية الروسية تاس إن هذه القاعدة التي تسمى رسميا "مكتب القيادة الجوية" ستنظم "عمليات تحليق متواصلة (...) لحماية الأراضي والدفاع عنها".
وأضاف أن العديد من المروحيات القتالية وصلت إلى القاعدة، موضحا أنها ستقدم الدعم للشرطة العسكرية الروسية التي تقوم بدوريات مشتركة مع الجيش التركي في هذا القطاع.
وبثت قناة التلفزيون الروسية "زفيزدا" التابعة لوزارة الدفاع، لقطات لوصول المروحيات الثلاث إلى القامشلي، يظهر فيها أيضا النظام الدفاعي المضاد للطائرات "بانتسير".
وتخضع القاعدة الروسية الجديدة لحماية من أنظمة بانتسير للصواريخ سطح/جو، وتمّ نشر ثلاث طائرات هليكوبتر، بينها طائرتان هجوميتان من طراز ميج-35 وطائرة هليكوبتر للنقل العسكري من طراز ميج-8، هناك بالفعل.
وعرضت القناة لقطات للشرطة العسكرية الروسية التي تحرس القاعدة إضافة إلى مركبات مدرعة وأطقم دعم أرضي ومحطة أرصاد وعيادة طبية صغيرة.
وقال بافل رمنيف مراسل القناة "هذه أول مجموعة من طائرات الهليكوبتر العسكرية الروسية هنا في شمال سوريا... إنها لحظة تاريخية. من الآن فصاعدا ستعمل مجموعة الطيران الخاصة بنا على نحو دائم في مطار مدينة القامشلي".
من جهته، أكد دميتري روديونوف، في "سفوبودنايا بريسا" الروسية، أنّ روسيا تقوم بإنشاء قاعدة عسكرية جديدة في مدينة القامشلي، وذلك في مقال له ترجمته للعربية قناة "روسيا اليوم" بعنوان "روسيا تغلق الأوكسجين عن الأميركيين بإقامة قاعدة أخرى في سوريا".
ويرى دميتري إيفستافييف الأستاذ في المدرسة العليا للاقتصاد، أن "قاعدة عسكرية روسية ثالثة في سوريا، بالطبع، ضرورية إذا كنا سنبقى في المنطقة جديا لوقت طويل، لضمان مراعاة مصالحنا عند إعادة إعمار هذا البلد".
وقال، وفقاً لما أوردته "روسيا اليوم": "على الرغم من عدم وجود أهمية ملحة لهذا المرفق الجديد، وهنا يجب أن يجري تقييم العلاقة بين التكلفة والفائدة الاقتصادية المحتملة. لكن ما ينشر حول إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية روسية في القامشلي أشبه بـ "تسريب" يهدف إلى دق إسفين بين روسيا وتركيا. القامشلي، عموما، نقطة حساسة في المنطقة. وإذا نظر المرء في خيار الوجود الروسي هناك، فليس الوجود في صيغة قاعدة عسكرية، إنما في شكل مهمة مراقبة مشتركة، ينبغي أن تؤدي في نهاية المطاف إلى تنظيم نقل النفط، من هناك، بمشاركة كل من الأتراك والأميركيين".
 

في مواجهة أنقرة وواشنطن، مطار القامشلي 49 عاماً لروسيا على خُطى حميميم