أردوغان يهدر المال في مشاريع لا تفيد الشعب التركي

بدلاً من دخول العام الجديد بقصص النهوض، دخلت تركيا عام 2020 بأخبار بائسة ومحزنة.

فقد تم العثور على جثة امرأة شابة، كانت طالبة في قسم الآداب في جامعة إسطنبول، قبالة شاطئ منطقة الفاتح في إسطنبول. هناك تناقضات بين ما كتبته على حسابها على وسائل التواصل الاجتماعي والتصريحات التي قدمتها عائلتها. كتبت الشابة تغريدة على تويتر عن "ليرة واحدة وأربعين قرشا" (24 سنتاً) متبقية في بطاقة الكافتيريا الخاصة بها. تثير هذه التغريدة في الأذهان حتماً احتمال إصابة هذه الشابة بالاكتئاب بسبب المصاعب الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن أقوال الأسرة (التي أدلى بها والدها وشقيقها) تروي قصة مختلفة. يزعمون أن لديهم ممتلكات في مدن موش وإسطنبول وبورصة، ويبلغ دخلهم الشهري 10 آلاف ليرة (1701 دولار)، وأنهم تلقوا حتى وقت قريب مساعدة منتظمة من الحكومة.

لا تتناقض هذه التصريحات مع مزاعم الشابة فحسب، بل تحتوي أيضاً على تناقضات داخلية. إذا كان لديهم ما يكفي من الثروة والدخل، فلماذا يحتاجون إلى مساعدة من الحكومة؟

لن يكون من المناسب استجواب الأسرة بعد الألم الذي عانته. من الواضح أنهم يعانون من شعور فُقد منذ زمن بعيد وهو الشعور "بالخزي". ربما لم يرغبوا في مواجهة ادعاء ابنتهم بنقص الأموال اللازمة للغذاء، أو ربما تدخل أحد وحذرهم من التحدث عن الفقر.

إذا اقتصر الانتحار بعد التعبير عن الضائقة المالية على هذه الحالة بالذات، فقد يكون من غير العدل مناقشة هذه الموضوعات. يجب ألا يكون الألم والموت والانتحار بشكل خاص محور مناقشات سياسية.

لكن إذا تضاعفت هذه الحالات واستمرت، فسيكون من غير المنطقي وغير المنصف عدم قضاء وقت في التفكير في هذه المصاعب الاقتصادية.

ففي بداية شهر نوفمبر، قامت عائلة في مدينة أنطاليا في جنوب البلاد بالانتحار الجماعي. كتب الأب البالغ من العمر 36 عاماً رسالة من صفحتين يقول فيها إنه عاطل عن العمل منذ تسعة أشهر، وإنه يعتقد أنهم لم يعد أمامهم شيء آخر سوى الانتحار.

وفي نفس الشهر، اختار أربعة من الإخوة البالغين في منطقة الفاتح في إسطنبول الانتحار بالسيانيد بسبب الديون المستحقة وصعوبة تلبية احتياجاتهم.

وقع حادثان مماثلان في مدينة جوروم بوسط البلاد في شهر ديسمبر. كان أحد الضحايا شاباً وكانت زوجته "قد اصطحبت طفليهما وذهبت إلى منزل والدها لأنه لم يعد هناك أي طعام لتناوله في المنزل". وعندما عادت إلى المنزل في اليوم التالي للحصول على بعض الملابس، وجدت أن الزوج قد شنق نفسه.

يقول البعض إن حالات الانتحار ليست عملاً طبيعياً، ولا يقبل عليها سوى الأشخاص الذين يعانون من مشاكل الصحة العقلية والاكتئاب. هذه الحجج صحيحة بالتأكيد.

بيد أن القضية التي يجب التأكيد عليها هنا تتمثل في أن القواسم المشتركة بين هذه الأعداد المتزايدة من حالات الانتحار، والسبب الأساسي الذي أعطاه الضحايا لأفعالهم، اقتصادي. الضحايا عاطلون عن العمل أو يفتقرون إلى دخل كاف.

وعند هذه النقطة، تتبادر مسؤولية الحكومة إلى الذهن.

يُعرف الدستور الجمهورية التركية بأنها "... دولة ديمقراطية وعلمانية واجتماعية ودستورية". ويحدد واجبات ومسؤوليات الحكومة كحماية الأسر وتحسين مستوى معيشة العمال والحد من البطالة.

ولكي تكون الحكومة قادرة على تحمل هذه المسؤوليات، يجب استخدام الموارد العامة بشكل مناسب. تركيا ليست دولة تتمتع بموارد طبيعية غنية، أو دخل زراعي أو صناعي غير محدود. إنه بلد يقع في موقع جغرافي استراتيجي، ويجب عليه استغلال موارده المحدودة بعناية.

يزداد عدد السكان بسرعة. بمن فيهم اللاجئون، إذ سيصل عدد سكاننا قريباً إلى ما يربو على 90 مليون نسمة. معظم السكان من الشباب وهناك 40 مليوناً دون سن الأربعين. ويريد الشباب الحصول على تعليم جيد وظروف عمل إنسانية ويريد جميع السكان رعاية صحية يمكن الوصول إليها وبيئة ملائمة ومستقبل آمن.

هذه أبسط حقوق المواطنة. وسبيل ضمان وحدة البلد يتمثل في تلبية هذه المطالب، بدلاً من التركيز على الاحتياطات الأمنية والخطابة.

لا يمكن لدولة مثل هذه أن تتحمل الإنفاق السفيه، لا سيما في القطاع العام. كل عملة تُنفق على الترف والتفاخر الزائف تمثل مورداً قد تمت سرقته من جيب الوطن. هذا تبذير وخيانة للثقة.

يشير الوضع في تركيا إلى أن غالبية المسؤولين عن الموارد العامة لا يفهمون معنى التقشف والتواضع ويتصرفون كما لو كانت موارد الدولة لا حصر لها. وتكشف التقارير السنوية الصادرة عن جهاز المحاسبة عن أمثلة صارخة على هذه العقلية: السيارات الفارهة والتجديدات غير الضرورية وإنفاق ملايين الليرات على مراسم افتتاح وعروض ترويجية وغيرها الكثير.

وفي الآونة الأخيرة، تتم إعادة تسمية الإنفاق السفيه والهدر على أنه يحمي سمعة الحكومة. ويأتي الدفاع عن هذا الإنفاق السفيه بأنه لا يمكن ممارسة ترشيد الإنفاق عندما يتعلق الأمر بإظهار صورة كريمة للحكومة.

رفض قادة هذه العقلية قصر جانكايا الذي كان مقر الإقامة الرسمية للرئيس منذ أقام هناك مصطفى كمال أتاتورك. بدلاً من ذلك، تم بناء قصر يضم 1150 غرفة ويحيط به مجمع اجتماعي يضم حراس الأمن والمساجد وقاعات الاجتماعات.

كان يمكن أن يضم القصر الجديد، بعدد غرفه البالغ 1150، مؤسسات عامة منتشرة في مختلف مناطق أنقرة، مما يوفر ملايين يتم دفعها في الإيجارات شهرياً. لم يحدث ذلك. بدلاً من ذلك، تمتلئ كل واحدة من الغرف بأفراد مُنحوا ألقاباً جديدة كمستشارين وكبار مستشارين ومتحدثين رسميين، وما إلى ذلك وباتت هذه الألقاب الجديدة مواقع جديدة للإنفاق غير المسؤول.

وأوردت تقارير أن الإنفاق الشهري للقصر الرئاسي يساوي إنفاق مدينة يبلغ عدد سكانها 200 ألف نسمة. وذكر تقرير جهاز المحاسبة أن القصر الرئاسي في عام 2017 أنفق 54 مليون ليرة شهرياً و658 مليون ليرة في السنة، وإنفاق الأموال التقديرية غير معروف. لكن لا ينبغي قياس سمعة الحكومة من خلال مستويات معيشة قادتها أو عظمة مواقع إقامتهم.

لا بد أن تُقاس سمعة الحكومة بمستوى معيشة شعبها وجودة الحياة بشكل عام.

يجب قياسها من خلال الإنفاق على التعليم والصحة والعلوم والثقافة والبيئة ومن خلال قيمة العلامات التجارية التي تصدرها إلى العالم ومن خلال إيمان الناس بمستقبلهم والتباين في أحلامهم ومن خلال الفعاليات الفنية والثقافية والحياة في المدن وحماية البيئة ورعاية ووفرة المساحات الخضراء.

إذا كان كل هذا غير موجود وإذا كان الزعماء يشعرون بالامتلاء في حين يذهب الأطفال إلى الفراش وهم يتضورون جوعاً وينتحر الآباء والأمهات لأنهم لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم، فإن سمعة الحكومة وكرامتها قد بلغت الحضيض. ليس فقط في هذا العالم - حيث تؤمن بالحياة الآخرة - تعاني كرامتك في العالمين.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-poverty/prodigal-spending-turkish-govt-continues-unabated-dignity-suffers
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.