الهجوم التركي على سوريا حملة سياسية ذات توجهات قومية

ينبع الهجوم التركي على شمال شرقي سوريا من مخاوف سياسية في الداخل، وقد أسكَتت النزعة القومية التي أشعلها الرئيس رجب طيب أردوغان ووسائل الإعلام الموالية للحكومة جميع الأصوات المعارضة تقريباً، وجعلت الأكراد مستهدفين.

انطلقت العملية العسكرية التركية في سوريا في التاسع من أكتوبر، وأدت إلى مقتل ما لا يقل عن 250 شخصاً، معظمهم من الأكراد، ونزوح نحو 300 ألف. أثار هذا مخاوف بين المتابعين البارزين للمشهد، بما في ذلك سامانتا باور، سفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الأمم المتحدة، من وجود حالات تطهير عرقي.

ووضع المسؤولون الأتراك هدفين رئيسين لهذا الهجوم، أولهما تطهير المنطقة الحدودية من قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، ووحدات حماية الشعب التابعة لها، وثانيهما إعادة توطين ما يصل إلى مليوني لاجئ في المنطقة الآمنة المزمعة.

وترى ميرفي طاهر أوغلو، منسقة برنامج تركيا في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، أن هذين الهدفين نابعان من دوافع سياسية.

وقالت أوغلو لموقع أحوال تركية في تدوينة صوتية إن "هذا التوغل العسكري حقق دوافع سياسية كبيرة في تركيا... السياسة الداخلية تحركه بكل تأكيد".

ويتفق معظم المراقبين على أن تنامي الشعور بالإحباط من وجود لاجئين سوريين، والضغوط الاقتصادية التي فرضها في تركيا، لعب دوراً مهماً في الانتخابات البلدية، التي مُني حزب أردوغان الحاكم – حزب العدالة والتنمية – خلالها بخسائر في إسطنبول ومدن أخرى كبرى هذا العام.

وقالت أوغلو إن هذا يمكن أن يفسر خطة أنقرة لإعادة توطين معظم اللاجئين في سوريا. وترى أوغلو أن من غير المرجح إعادة ملايين اللاجئين إلى سوريا، لأسباب أولها أن تركيا تمكنت فقط من السيطرة على شريط محدود من الأراضي في شمال شرقي سوريا، وتعتقد أن أردوغان سيعاني سياسياً نتيجة لهذا.

وأشارت أوغلو إلى أن الأمر الثاني المهم الذي أدى إلى فوز أكرم إمام أوغلو في انتخابات بلدية إسطنبول في وقت سابق من هذا العام، كان دعم حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، والذي قرر عدم طرح مرشحين في إسطنبول ومدن أخرى من أجل تحسين فرص حزب المعارضة الرئيس – حزب الشعب الجمهوري.

وعندما تعرض حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان إلى أول نكسة سياسية، حينما فشل في الفوز بأغلبية صريحة في الانتخابات العامة التي أجريت في يونيو 2015، ألقى الحزب الحاكم باللوم على حزب الشعوب الديمقراطي، الذي تمكّن من تخطي عتبة العشرة في المئة اللازمة للحصول على مقاعد في البرلمان.

بعد ذلك بشهر ، جددت الحكومة صراعها مع حزب العمال الكردستاني، الذي يخوض تمرداً في تركيا منذ عام 1984، والمصنف كتنظيم إرهابي في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا.

وكتب جلال جاهيت أغار، وهو مُحاضر في جامعة سانت أندروز، في موقع (ذا كناري) يقول إن "المسألة الكردية ظلت دائماً أداة عملية في أيدي النخبة السياسية الحاكمة في تركيا، لاستمرار سلطتها السياسية ولتخفيف الاضطرابات السياسية، من خلال إعادة توحيد المنظمات السياسية والمجتمع المدني القومي اليميني المتطرف تحت لواء الشوفينية التركية".

وقضى الهجوم التركي على شمال شرقي سوريا عملياً على الشراكة الناشئة بين حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي. ولو كانت تلك الشراكة ترسّخَت، لكانت شكّلت تهديداً حقيقياً لحزب العدالة والتنمية، وفقاً لأوغلو.

وتنظر تركيا إلى وحدات حماية الشعب على أنها امتداد لحزب العمال الكردستاني. ولذلك، فقد طرحت عمليتها ضد سوريا على أنها تأتي في إطار جهود مكافحة الإرهاب. وتشكك أوغلو في دقة هذا الوصف، إذ تقول إن "تركيا كانت تنظر إلى دويلة قوات سوريا الديمقراطية على أنها تمثل تهديداً استراتيجياً، لكن من الصعب القول بأن تهديداً عسكرياً كان موجوداً في أي وقت من الأوقات... وحدات حماية الشعب لم يسبق لها أن هاجمت تركيا أبداً".

أضافت أن مبعث القلق الحقيقي لدى تركيا كان أن الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، يُقوّي شوكة هذا التنظيم ويحسن صورته على الساحة الدولية.

وأردفت طاهر أوغلو قائلة إن "وحدات حماية الشعب في سوريا، كلّما ازدادت شعبيتها على الساحة الدولية بسبب حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، كلّما زاد التأثير السلبي لهذا الأمر على عملية السلام التركية مع حزب العمال الكردستاني".

وقال آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية، إن المشكلة الكردية في تركيا كانت دائماً قضية محلية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وإن إعادة إطلاق مباحثات السلام التي انهارت في عام 2015 بشكل مفاجئ سيكون سياسة عاقلة.

لكنه أشار إلى أنه "لا توجد نوايا طيبة حقيقية على أي جانب من الجانبين، ومن ثم فإن المفاوضات ستكون صعبة ومشحونة، وهي مدوّلة الآن... حل مشكلة حزب العمال الكردستاني بات الآن أصعب مما كان من عام 2012 إلى عام 2015، بسبب الأزمة السورية".

وقالت أوغلو إن غياب النوايا الحسنة يشمل المواطنين الأكراد في تركيا، والذين يمثلون نحو 18 في المئة من إجمالي تعداد السكان.

وأردفت قائلة "حتى إذا حسب حزب العمال الكردستاني حسابات استراتيجية في الأجلين القصير إلى المتوسط، لإعادة إطلاق المباحثات، فإن سياسة تركيا في سوريا ستظل تؤثر على تصالحها مع المجتمع الكردي الأوسع نطاقاً".

يعود هذا إلى أسباب من بينها أن المسؤولين الأتراك ووسائل الإعلام الموالية للحكومة ينفخون في نار التوجهات القومية. وعلى الرغم من عدم وجود أي تهديد ظاهر على الأمن القومي، قال أردوغان في رسالة فيديو بمناسبة يوم الجمهورية التركية، الذي حل يوم الثلاثاء الماضي، إن بلاده تشن حرباً أشبه بالحرب التي خاضتها من أجل الاستقلال.

وأشارت أوغلو إلى أنه "قال أيضاً إن هذه هي حرب الاستقلال الثانية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في يوليو 2016، عندما كان ينفذ حملة تطهير كبرى في ظل حالة الطوارئ... لدينا زيادة في العسكرة داخل تركيا. مشاعر القومية المتطرفة تزيد، والأمور يُنظر إليها من كافة الزوايا العسكرية، وهذا يساعد على بلورة المشاعر المعادية للأكراد".

وبعد مرور أيام قليلة على الهجوم التركي، أظهر فيديو نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي ما يبدو أنهم مسلحون مدعومون من تركيا يَجُرّون السياسية الكردية السورية هيرفين خلف إلى خارج سيارتها ويقتلونها. بعد ذلك بأيام، كُشف عن أن قاتليها مثّلوا بجثتها بعد أن ضربوها بأدوات غليظة وسحلوها جذباً من شعرها.

ووصف وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر عملية القتل بأنها جريمة حرب محتملة، بينما اعتبرتها صحيفة (يني شفق) نصراً، حيث قالت الصحيفة التركية الموالية للحكومة إن "الجماعة الإرهابية تلقت صفعة كبرى... تمت تصفية خلف في عملية ناجحة".

ورداً على مقتل أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، على أيدي القوات الخاصة الأميركية، قال أردوغان إن تركيا قد تستهدف بشكل مماثل زعيم قوات سوريا الديمقراطية مظلوم كوباني. وكانت قوات سوريا الديمقراطية حليفاً للولايات المتحدة حتى أسابيع قليلة مضت.

وقال أردوغان "بعض الدول تتخلص من الإرهابيين الذين تعتبرهم يشكلون تهديداً على أمنها القومي، حيثما وُجدوا... من ثم فإن هذا يعني أن تلك الدول تقبل بأن تتمتع تركيا بهذا الحق أيضاً. هذا يسري أيضاً على الإرهابيين الذين صافحوهم وأثنوا عليهم".

نبرة الحديث الخشنة هذه، بالإضافة إلى الهجوم العسكري، قد يعززان الدعم السياسي لأردوغان. ويشير استطلاع للرأي في تركيا، أُجرى في الآونة الأخيرة، إلى أن حجم التأييد الشعبي للعملية التي أطلقتها أنقرة داخل الأراضي السورية بلغ نحو 80 في المئة.

لكن أوغلو تشك في دقة هذا الرقم، وتشير إلى أن نحو 200 شخص اعتُقلوا بسبب منشورات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي انتقدوا فيها الحرب.

وقالت "أراهن على أن هناك ما يكفي من القوى الحيوية في الداخل، التي تستطيع أن تنتقد هذا الغزو، لكن يتم إسكاتهم في الوقت الحالي". وأشارت إلى العدد الكبير من الأكاديميين الذين اعتُقلوا بسبب استنكار الأعمال العدائية التي ارتكبها الجيش التركي ضد الأكراد.

أضافت أن "حزب الشعوب الديمقراطي ينتقد عملية سوريا بشدة، لكنهم غير مسموح لهم بالحديث... الرئيسان المشتركان الحاليان متهمان، والرئيسان المشتركان السابقان في السجن. عدد كبير من الأعضاء زُجّ بهم في السجون بحجة وجود صلة لهم مشكوك فيها بالإرهاب".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/northeast-syria/turkeys-syria-offensive-nationalist-political-campaign
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.