أخطاء أردوغان التي أدت إلى انهيار الليرة لأدنى مستوياتها

في تركيا، لا تتعلم الحكومة أي دروس من إخفاقاتها في إدارة الاقتصاد. إن علاقات السبب والنتيجة والقواعد الأساسية التي تعمل بها أسواق المال واضحة تمامًا في النظام الرأسمالي العالمي الذي تعد تركيا جزءًا منه. وحتى المذبحة الاقتصادية التي أحدثها فيروس كورونا لم تغير ذلك.

ولكن عندما تواجه مشاكل اقتصادية، فإن أول رد فعل للحكومة التركية هو إنكار وجودها. ويتبع ذلك اتخاذ إجراءات غير مقنعة تمامًا، على ما يبدو يتم اتخاذها بتهور وبدون الالتفات إلى الديناميكيات الاقتصادية، والتي تؤدي فقط إلى تفاقم الضرر الذي يلحق باقتصاد البلاد.

ربما يحتاج الأمر إلى طبيب نفسي ليشرح مدى بعد هذه الإدارة عن الواقع. لكن يجب التأكيد على أن انزلاق الليرة إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق عند 7.269 مقابل الدولار الأسبوع الماضي ليس، كما تدعي الحكومة، عمل المستثمرين الأجانب الذين لا يرحمون، كما أن المشاكل التي أوصلتها إلى هذه النقطة لا يمكن حلها عن طريق تأجيج القومية.

يتميز الطريق المؤدي إلى خسائر الليرة بسلسلة مختلفة تمامًا من المعالم إلى تلك التي نقلها المسؤولون الحكوميون.

اقترضت تركيا من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنوك المركزية الأخرى على أمل تأمين صفقات تبادل العملات لتقليل الضغط بعد أن استنفد مصرفها المركزي احتياطياتها من العملات الأجنبية دفاعًا عن الليرة. ولكن بينما كانت لا تزال تطرق على أبواب البنوك المركزية الأجنبية يوم الخميس الماضي، فقد حظرت الحكومة التركية مصارف "سيتي بانك" و"يو بي إس" و"بي إن بي باريبا"، وهم ثلاثة من تجار العملة الرئيسيين في العالم، من التداول بالليرة، قائلة أنهم فشلوا في دفع التزاماتهم بالليرة في الوقت المحدد.

وكان الهدف بالطبع منع متداولي العملات من بيع الليرة في حين أظهرت بيانات الاقتصاد الكلي أن العملة كانت بلا حماية.

ومن المعروف أن البنوك التركية نشطة للغاية في محاولة توزيع خطوط ائتمان كبيرة في أسواق العملات. ولكن في العام الماضي، عندما بدأت الليرة في التراجع بوتيرة متسارعة قبل الانتخابات المحلية في مارس، تدخلت السلطات التركية لمنع البنوك من إقراض أي ليرات للتجار الأجانب، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض بين عشية وضحاها في السوق الخارجية إلى أكثر من ألف بالمئة.

وفي ذلك الوقت، قال وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق إن الحكومة كانت ترد على المضاربين بالأسعار من أجل تعزيز الليرة، محذرا من أن أولئك الذين توقعوا أن تنخفض العملة إلى أقل من 7 مقابل الدولار سيعانون من عواقب وخيمة.

لكن هذا التدخل كان بطبيعة الحال نقطة تحول للعملة التي أغرقت الاستثمار الأجنبي في سوق المقايضة. وقد أثار ذلك انسحابًا سريعًا لرأس المال الأجنبي حيث ابتعد المستثمرون عن تركيا خوفًا من اقتصاد لم يعد يحكمه قواعد. تم تجاهل العديد من الاقتصاديين الذين حذروا من تأثير هذه الخطوة على المدى المتوسط والطويل من قبل الحكومة، والتي بدلاً من ذلك وصفتهم بأنهم عملاء للقوى الأجنبية أو ما يسمى بـ "لوبي سعر الفائدة".

ومنذ ذلك الحين، تسعى حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى تحقيق النمو الاقتصادي كأولوية رئيسية، ولكن مع إبقاء رأس المال الأجنبي بعيدًا، اضطرت إلى البحث عن الأموال العامة لتمويل هذا النمو. وأدى ذلك إلى تحويل جزء كبير من أموال احتياطي البنك المركزي إلى الخزانة وضاعف نسبة عجز الميزانية إلى الناتج المحلي الإجمالي في عامين.

ومع فشل تركيا في جذب الاستثمارات الأجنبية وتراجع قيمة الليرة، انتهى الأمر بنظام تعويم، حيث يتداول البنك المركزي والبنوك العامة بالعملات الأجنبية للاحتفاظ بالليرة عند حوالي 5.5 لكل دولار. تم الإعلان عن ممارسة هذه العملية من قبل وسائل الإعلام الأجنبية والاقتصاديين، على الرغم من أن محافظ البنك المركزي، مراد أويسال، لا يزال ينكر حدوثها حتى الأسبوع الماضي.

وباعتبار دفاع الحكومة عن الليرة الهشة انتصاراً، قامت بالتسريع في سعيها لتحقيق النمو من خلال حث أويسال على خفض سعر الفائدة القياسي في آخر ثماني اجتماعات للبنك المركزي. وفي حين تم الترحيب بالتخفيضات المبكرة على سعر الفائدة، التي بلغت ذروتها عند 24 بالمئة في عام 2018 بسبب أزمة العملة، إلا أن الانخفاض السريع إلى معدل 8.75 بالمئة الحالي، دون معدل التضخم في البلاد البالغ 10.9 بالمئة، بدأ في إحداث رد فعل عنيف على الليرة.

ومثلما عاد النمو إلى الاقتصاد بعد الركود الذي ساد في الربع الأخير من عام 2018 وكان الاقتصاديون يتوقعون حدوث موجة أخرى من ضعف العملة ربما في العام أو العامين القادمين، جاء فيروس كورونا وضرب كل التوقعات بعرض الحائط.

تم نقل حوالي 100 مليار دولار من الأموال الأجنبية خارج تركيا هذا العام، وفي ظل وقوف صافي احتياطياته عند مستويات سلبية، فإن البنك المركزي غير قادر على شن دفاع عن الليرة.

يدخل الاقتصاد التركي الآن دوامة عميقة من البطالة والانكماش، والأموال الأجنبية ليست بالحل الوارد، وسجلت الليرة أدنى مستوياتها القياسية يوم الخميس الماضي قبل ارتفاع محدود يوم الجمعة.

ولكن بدلاً من قبول أخطائها التي تؤدي إلى هذه الضغوط الصعبة، تحاول الحكومة مرة أخرى دفع الادعاء بأن تركيا تتعرض للهجوم - إلى الحد الذي وضعت فيه هيئة الرقابة المصرفية الأساس لاتخاذ إجراءات قانونية ضد الاقتصاديين الذين يعلقون على الليرة أو ينشرون تعليقاً مدعوماً بالبيانات ينتقد القرارات التي أدت إلى تراجع قيمتها.

ومع ذلك، فإن أسباب خسائر الليرة، كما رأينا للتو، واضحة، وليس هناك حاجة لمزيد من التحليل. يتم إدارة الاقتصاد بشكل سيئ للغاية من قبل المسؤولين غير المؤهلين لتشغيله.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-lira/chain-mistakes-led-lira-record-lows
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.