أغاني الكردي أحمد كايا مبعث أمل للمضطهدين في تركيا

صادف الشهر الماضي عيد الميلاد الثاني والستين للمغني الكردي أحمد كايا، الذي يمثل رمز الثورة والمقاومة والأمل والحب عند الملايين.

وفي حين يواصل التاريخ تكرار نفسه في تركيا بشكل جديد من أشكال الاستبداد، لا يزال إرث كايا يداوي جراح الكثيرين من المستبعدين والمضطهدين والمسجونين والمنفيين.

كان كايا الابن الخامس لمهاجرين متواضعين، وبدأ حياته الموسيقية بالعزف على آلة الباغلاما أو الساز (وهي آلة موسيقية تقليدية في الأناضول) التي أهداه إياها والده في عيد ميلاده السادس بعدما اكتشف اهتمام ابنه بالموسيقى.

كانت رؤية والده هي المفتاح السحري الذي فتح أبواب عالم الفن أمام كايا، لينتج فيه ألبومات تركت بصمتها وحطمت الأرقام القياسية في كل مرة.

لم يترك كايا آلته الموسيقية لفترة طويلة قط خلال حياته القصيرة منذ أن أمسك بها للمرة الأولى، لتصبح تلك الآلة قرينته وأقرب الأصدقاء إليه.

وفي أوائل العشرينات من عمره، أضحى كايا يدافع بشجاعة عن اللغة والثقافة الكرديتين بموسيقاه.

كانت قصة كايا الشخصية، باعتبارها "مأساة لاجئ أحلك من ظلام الليل"، برهانا على السقوط ضحية لظلم الدولة القومية التركية، التي تتبنى منذ عشرات السنين سياسة إنكار لهوية ولغة وثقافة أناس يعيشون في بلاد الرافدين منذ قرون من الزمن.

دائما ما يتذكر تونا بيكليفيتش، وهو ناشط وسياسي في المنفى، كايا بشجاعته المثيرة للإعجاب الشديد في الفترات العصيبة التي شهدتها تركيا في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين. ويقول: "كان مصدر إلهام لي، مثلما كان بالنسبة لملايين الأشخاص المضطهدين".

ويصف الكاتب والعضو السابق في البرلمان رها تشامور أوغلو المغني كايا بأنه ممثل محبوب جدا لجيله، الذي تعرض للاضطهاد والقمع الشديد. فيقول: "أعتبره أخا لي. إنه صوت صداح لكفاحنا وحبنا".

خضعت تركيا للحكم تحت الوصاية العسكرية على مدى عقود من الزمن نتيجة انقلابات عسكرية متعاقبة منذ العام 1960.

وفي حين أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد تمكن من القضاء على هيمنة الجيش بعد كفاح طويل، إلا أنه بدأ بعد ذلك في ترسيخ حكم الفرد الواحد، لاسيما في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في العام 2016.

نجح كايا في أن يصبح مصدر سلوان مشتركا وفريدا بالنسبة لأغلبية كبيرة من المجتمع التركي الذي يشهد حالة من الاستقطاب الشديد. فقد غنّى الملايين أغاني المقاومة على أنغام ألحانه، ولم يخفوا عشقهم لقصائده، وحلموا بمستقبل أفضل في السجون والمنفى بفضل شخصيته الملهمة.

يقول أكين أولغون الكاتب والمدافع عن حقوق الإنسان: "لقد انتصر كايا في مواجهة الحياة، وجعل الآخرين ينتصرون. أظهر لجمهوره أن ألحانه وكلماته لهما هوية وشخصية. صنع لنفسه قيمة كفنان يحترمه الجميع سواء اتفقوا مع أفكاره أم لم يتفقوا".

وتقول نورجان بايسال الكاتبة والناشطة المدافعة عن حقوق الإنسان: "نحن أجيال نشأت وترعرعت على صوته. بالنسبة لي ولكثير من الأكراد، لا يعتبر كايا رمزا للثورة والمقاومة فحسب، بل هو رمز للعاطفة والحب أيضا".

وعلى الرغم من أنه كان ابنا لرجل كردي، لم يكن كايا ضليعا في اللغة الكردية. وفي حفل توزيع جوائز في العام 1998 أعلن كايا عن عزمه طرح أغنية باللغة الكردية في ألبومه الجديد، ولم يكن يعلم حينها أن تجرؤه على غناء أغنية باللغة الكردية سيدمر حياته بالكامل. وبعد أن ألقى كلمته بمناسبة تلقيه إحدى الجوائز، عانى كايا هو زوجته من اغتيال معنوي.

بعد تلك الليلة، اشتدت حلكة الأيام والليالي على كايا وأسرته. وقد اضطرتهم حملات التشويه المستمرة في وسائل الإعلام والاستجوابات التي تجريها أجهزة الدولة معهم إلى مغادرة بلدهم الحبيب ليعيشوا في المنفى في باريس.

يقول أولغون لموقع "أحوال تركية": "حينما أفكر في أحمد كايا، أفكر أيضا في زوجته غولتن وبناتهما. دائما ما أفكر فيهم معا. ذلك أن الاغتيال المعنوي ليس محاولة للقضاء على شخص أو إسكاته فحسب، بل يستهدف أيضا رفقاءه وأنصاره".

توفي أحمد كايا عن عمر يناهز 43 عاما إثر إصابته بأزمة قلبية في المنفى، ودُفن في مقبرة بير لاشيز في باريس التي وارى فيها الثرى جثمان يلماز كوني وهو فنان آخر عاش في المنفى، على بُعد عشرات الآلاف من الأميال من وطنهما الحبيب.

تقول بايسال لموقع "أحوال تركية": "إنه رمز لانعدام الجنسية للأكراد، ومصيرهم. بالنسبة لي، أحمد كايا هو رمز لوطني ولغتي المحظورين. لقد مات وهو يتحرق شوقا لبلاده في المنفى، ليترك جرحا غائرا في قلوب الأكراد".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/ahmet-kaya/his-62nd-birthday-millions-hold-hope-ahmet-kayas-songs
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.