تأزم غير مسبوق في العلاقات التركية – الأميركية

ضيفنا اليوم هو السفير التركي السابق لدى الولايات المتحدة الأميركية فاروق لوغ أوغلو. تحدثنا مع السيد لوغ أوغلو عن الأزمة الحالية بين تركيا والولايات المتحدة؛ بسبب صفقة منظومة S400 الصاروخية التي تعتزم تركيا شراءها من روسيا.
فيما يلي عرض لأهم ما جاء في حوارنا مع لوغ أوغلو:
أود التأكيد، في البداية، أن العلاقة الحالية بين تركيا والولايات المتحدة تشهد بالفعل تراجعاً خطيراً، ربما يكون الأول من نوعه في تاريخ العلاقة بين البلدين. وفي الآونة الأخيرة، جاء موضوع اعتزام تركيا شراء منظومة S400 الصاروخية الروسية ليزيد من حدة التوتر بين الجانبين.
شهدت العلاقة بين البلدين تأزماً خطيراً للغاية خلال السنوات الماضية، وقد أضيفت إلى المشكلات الإقليمية المتراكمة بين البلدين مشكلة أكثر خطورة هذه المرة، ربما تؤدي إلى عواقب غير محسوبة في المستقبل القريب. 
كانت أزمة شراء S400 الصاروخية الروسية هي الأكثر خطورة في تاريخ العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية. 
من ناحية أخرى، رأت واشنطن أن الدعم التركي لرئيس فنزويلا مؤخراً قد تعدى الخطوط الحمراء كذلك. ومما لا شك فيه أن هناك أزمة حقيقية تسبب فيها الرئيس مادورو؛ حيث يعيش الشعب الفنزويلي في الوقت الراهن واحدة من أحلك الفترات التي مر بها على امتداد تاريخه. وفي رأيي الشخصي، إن تركيا أخطأت خطأ جسيماً عندما تغاضت عن الأخطاء التي ارتكبها مادورو، وراحت تدعمه بشدة. كما أخطأت كل من الولايات المتحدة وأوروبا في تعاملها مع الأزمة كذلك. كان يجب عليهم أن يحثوا الشعب وأطراف الأزمة على الجلوس والحوار.
أضف إلى هذا أن السياسة التي اتبعتها تركيا في سوريا كانت خاطئة منذ البداية. في رأيي الشخصي، إنه لم يكن هناك داع لأن تفكر أي من الولايات المتحدة أو تركيا في إقامة منطقة آمنة في سوريا؛ لأن سوريا تمتلك بالفعل سياسة تستطيع بها دعم الأمن الإقليمي لتركيا. وبناءً على هذا، فشرق الفرات أرض سورية، وينبغي أن تكون الحكومة السورية هي وحدها صاحبة السيادة عليها، كما يجب أن تكون الحدود السورية تحت سيطرة القوات السورية وحدها، دون تدخل من جانب تركيا أو أي طرف آخر.
من ناحية أخرى، جاءت صفقة شراء منظومة  S-400  الصاروخية من روسيا لتزيد من قلق أميركا بسبب الغرض أو التهديد الذي سَتُستخدم من أجل التصدي له. وعلى الجانب الآخر، أعلنت روسيا أنها لن تنقل تكنولوجيا هذه الصواريخ إلى تركيا، لذلك فإن القرار في هذا الموضوع لا يزال مفتوحاً للنقاش.  
في الحقيقة إن لتركيا كامل الحق في شراء هذه الصواريخ، ولكن المشكلة هنا تكمن في أن استخدامها هذا الحق سيؤدي إلى حدوث الكثير من المشكلات.
وعلى الجبهة الأمريكية، توافقت الرؤى بشكل كامل بين إدارة ترامب من جهة، والكونغرس والبنتاغون من جهة أخرى، بخصوص صواريخ s 400 في سابقة هي الأولى من نوعها، لذا فمن المتوقع أن تشهد العلاقات التركية الأميركية تأزماً كبيراً، ليس فقط فيما يخص عدم تسليم طائرات F-35  إلى تركيا، ولكن أيضًا في العديد من مجالات الدفاع الأخرى. وقد يمتد التأزم ليطال العلاقات السياسية والاقتصادية كذلك.
يجب على أنقرة أن تبذل قصارى جهدها لإيجاد حل لهذه المشكلة؛ حتى لو كلفها هذا الكثير. يتعين على تركيا أن تتحمل كل تبعات هذه المشكلة؛ لأن الوضع الاقتصادي وعضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ستكون في خطر هي الأخرى. من أجل هذا، يتعين على تركيا أن تأخذ هذا الموضوع مأخذ الجد. ينبغي على تركيا، الدولة العضو في حلف الناتو، والتي تسعى في الوقت نفسه إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أن تتوخى الحذر في تعاملها مع هذه الأزمات، وأن تسعى سعياً حثيثاً للتوصل إلى حل لهذه المشكلة على وجه الخصوص.  
نحن لا نتعرض الآن لهجوم عسكري من دولة أخرى؛ كي نتمسك، بهذا الشكل، بشراء هذه النوعية من الصواريخ. من أجل هذا، كان من الأحرى بتركيا أن تتبع سياسة أكثر عقلانية في تعاملها مع هذه الأزمة.
يمكن لتركيا أن تحصل على هذه الصواريخ لو كان الأمر قد حُسِمَ بالفعل، وخرج السهم من القوس بالفعل كما يقولون، ولكن سيظل موضوع مدى قدرة تركيا على الاحتفاظ بها مطروحاً للنقاش، خاصة وأن هذه الصفقة لا تتضمن نقل تكنولوجيا تصنيعها إلى تركيا، لذلك يجب على تركيا أن تخطو خطوات ملموسة لتحسين علاقتها مع حلف الناتو والولايات المتحدة بشكل متواز.
أود من ناحية أخرى أن أؤكد أن زيارة سيدة أميركا الأولى ميلانيا ترامب لإحدى المدارس التابعة لجماعة فتح الله غولن لم تأت من قبيل المصادفة، وإنما أُرِيد بها إرسال رسالة إلى تركيا. لقد أرسلت تركيا كل ما بحوزتها من معلومات ووثائق بخصوص قضية فتح الله غولن إلى الولايات المتحدة. وعلى الرغم من علم أميركا الكامل بكل ما يخص تلك الجماعة التي تعيش على أرضها منذ سنوات، إلا أنها عادت لتقول لتركيا إن ما قدمته من وثائق ليس كافياً لإدانة فتح الله غولن وجماعته، وإن المناقشات الخاصة بإعادته لتركيا ستستمر لحين التوصل لحل في هذا الشأن. 
من هنا يمكن القول إنه إذا كانت هناك علاقة صداقة حقيقية بين تركيا والولايات المتحدة، فهذا يعني أنه على أميركا تسليم غولن لتركيا، ولكن الزيارة التي قامت بها ميلانيا كانت تحمل رسالة على النقيض من ذلك تماماً.
إن الواقع يقول إن تركيا وأميركا لم يجمعهما يوماً تحالف استراتيجي حقيقي، وإن قولنا "علاقة استراتيجية" هو تعبير دأبنا نحن والأمريكان على ترديده على مستوى الإعلام فقط. وهذا دأبنا مع دول أخرى مثل بريطانيا وإسرائيل. ولكن الحقيقة أنه لا توجد علاقة استراتيجية حقيقية تجمعنا بتلك الدول. ومع هذا، فقد أصبح من غير المناسب، في ظل الظروف الحالية، مجرد ترديد هذه الكلمات. وها نحن نقرأ اليوم في الصحافة الأميركية عن ضرورة إلقاء تركيا خارج حلف الناتو. 
من ناحية أخرى، فإننا عندما نمعن النظر في طبيعة القضايا الثنائية والإقليمية التي تشوب العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، سيتبين لنا أنه من غير الممكن وصف تلك العلاقة بين البلدين بالاستراتيجية، بل إنه من الصعب تقييم تلك العلاقة تحت عنوان الصداقة أو التحالف.  
لقد اضطرت دول أوروبا إلى القبول بتركيا داخل حلف الناتو بعد الحرب العالمية الثانية؛ لأنها كانت بحاجة إلى وجودها في ذلك الوقت. أما الآن فتريد روسيا أن تجتذب تركيا إلى جانبها للسبب نفسه.
تزداد المخاوف اليوم من احتمال بدء حرب باردة جديدة. والحقيقة أنني أيضاً تساورني المخاوف نفسها؛ فروسيا تطمح إلى أن تتبوأ نفس مكانة الولايات المتحدة والصين. من أجل هذا، يحاول الرئيس الروسي بوتين أن يستغل تنصل ترامب من حلف الناتو في إيجاد قنوات لإضعاف التضامن بين دول الحلف، وبالطبع كان تودده إلى تركيا أحد هذه الوسائل للوصول إلى هدفه.
يدرك المتابع لسير الأحداث أن جميع خطوات بوتين كانت باتجاه إعاقة تنمية علاقة تركيا مع الغرب.
وعلى الجهة المقابلة لا نستطيع تحديد منهج موحد تنتهجه تركيا في سياستها الخارجية، لدرجة أن علاقة تركيا الخارجية بكل من الولايات المتحدة وروسيا صارت أشبه بشخص يحرك أربع  كرات أو خمس بين يديه في آن واحد. وهو أسلوب خاطئ في إدارة السياسة الخارجية للدولة؛ إذ يتعين على تركيا أن تتبع في سياستها الخارجية علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة وروسيا.
يجب علينا أن ننظر إلى الولايات المتحدة من منظور أرحب مما هو عليه الآن، استناداً إلى صداقتنا وتحالفنا مع الغرب، وأن نتوخى الحذر ونحن نطور علاقتنا مع روسيا بشكل لا يقوم على التبعية. 
يجب أن يكون محور السياسة الخارجية التركية، كما هو مكتوب في مقدمة الدستور، ديمقراطيًا علمانيًا، وأن يستند إلى حكم القانون ومبادئ الدولة الاجتماعية. ولكن الحقيقة أن سياستنا الخارجية الحالية جاءت بعيدة عن هذه المبادئ.
ينبغي على تركيا أن تفكر جيداً في المستقبل قبل أية خطوة تخطوها. والحقيقة أن سياستنا الخارجية تتصف بأنها سياسة تحكمها تحركات تكتيكية غير متناسقة ومتناقضة، تندفع في إصدار ردود أفعالها بخصوص أحداث يومية أو أسبوعية عابرة مما قد يؤدي بنا إلى المكان الخاطئ في النهاية. يجب على تركيا أن تتبع سياسة خارجية تتصف بالتكاملية في تعاملها مع الأحداث الخارجية.
إن تركيا بحاجة ماسة إلى سياسة خارجية جديدة متوازنة؛ توازن من خلالها بين علاقتها مع الشرق والغرب. وقد رأينا كيف تأخرت تركيا كثيراً في لعب دور مؤثر في منطقة شرق البحر المتوسط، حتى بدأ القبارصة اليونانيون يقتسمون حقول الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط  بالتعاون مع إسرائيل ولبنان ومصر. أما نحن، فقد تأخرنا كثيراً في إبداء رد فعلنا على هذا الأمر.
نحن نسير وفق سياسة خارجية تفتقر إلى النظرة الشمولية.  
من ناحية أخرى، تحظى عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي بأهمية كبرى في الحفاظ على الأمن القومي التركي، على الرغم من أن الحلف لم يقم بمسؤوليته تجاه تركيا كما ينبغي. نعم، قد يكون هذا صحيحاً، ولكن هذا لا يمنع أن تكون تركيا عضواً في هذا التحالف، وطرفاً في اتفاق الدفاع المشترك مع الدول الأعضاء في الحلف، ومن ثم سيكون من الصواب، بالنسبة لتركيا، أن تبحث عن أمنها القومي بشكل واقعي في إطار هذا التحالف.
انظروا إلى الخطوات التي اتخذتها روسيا في الآونة الأخيرة؛ لقد كوَّنت دويلات صغيرة تابعة لها مثل جورجيا وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وضمت إليها القرم كذلك، ولا تزال تحاول مع أوكرانيا كذلك.  
يبين لنا التاريخ أهمية أن يكون لتركيا علاقة جيدة مع روسيا، ولكن الخطورة الحقيقية في هذا الأمر أن تتحول علاقة التحالف بين الدولتين إلى علاقة تبعية لروسيا. ولا يخفى على أحد أننا نعتمد على روسيا، بشكل كبير للغاية في الوقت الحالي، لتأمين احتياجاتنا من الطاقة؛ مما قد يشكل خطراً كبيراً على لتركيا في وقت الأزمات؛ لأن روسيا ليست تلك الدولة التي يمكن التعويل عليها كثيراً.  

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/konusa-konusa/faruk-logoglu-abd-ve-turkiye-iliskileri-daha-once-hic-yasanmamis-bir-krizden-geciyor